Atwasat

إبراهيم الكوني: الرواية حلم كل إنسان .. والتحدي كيف تنزف تجربتك؟

القاهرة - بوابة الوسط الجمعة 17 يوليو 2026, 08:08 صباحا

كانت قاعة فندق ماريوت في العاصمة طرابلس، على موعد مساء الإثنين، مع حوارية عن بُعد عبر التواصل المرئي مع الروائي الليبي العالمي إبراهيم الكوني، أدارها الإعلامي خالد عثمان، تحدث فيها الكوني عن موقفه من الهوية والمكان، والكتابة، وكذا مفهومه لمعنى الوطن، ضمن فعاليات أسبوع ليبيا الثقافي الذي نظمته وزارة الثقافة والتنمية المعرفية بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة».

BCD Ad BCD Ad

الكوني أشار إلى أن الوطن الذي بين أيدينا الآن أسطورة ليس له وحده فقط، مستندا على مقولة هيرودوت: إن كل أفضال اليونان، الدينية والوجدانية والاجتماعية وحتى التقنية مستعارة من وطن لغز هو ليبيا.

قال الكوني: يدهشني كما سيدهشكم أن هذا الاعتراف جاء من عراب تاريخ ما قبل التاريخ لوطن هو الذي صنع التاريخ، لأن اليونان هي الإيمان في الحكمة عبر التجربة الإنسانية كلها، فأن تكون ليبيا لا غيرها هي المرجع في كل ثقافة اليونان التنويرية، فهو أمر جلل لم نعطه حقه من التأمل حتى الآن.

واصل الكوني استنادا على هيرودوت بأن ليبيا هي مصدر الثروات وهي دائما من نصيب الأغراب، فهو أي هيرودوت يقول إن سكان ليبيا أربعة اثنان منهم أصليان وهم الليبيون والإثيوبيون، والدخيلان هما اليونانيون والفنيقيون، فالثروات كانت من نصيب الأغراب الدخلاء فيما كان الأصليون منفيون في وطنهم، كما هم منفيون اليوم.

- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وأكد الكوني أن النفي لم يكن على مستوى الثروة المادية فقط بل الروحية أيضا التي أسست tالديانات، فالأبحاث الجيولوجية والأنثروبولوجية تؤكد أن وطنها أفريقيا مهد الإنسان، فلماذا لا نتساءل: أين هذا المكان؟ هل هو في أفريقيا الأدغال؟ والإجابة أن المكان هو في الصحراء الكبرى بين الأدغال والبحر، وتسميتها بالكبرى لأنها الكامنة على سر التكوين، سر نشوء الإنسان.

وتابع: إن اسم أفريقيا هو اسم ليبي صرف إذ لم يكن مصدره القبائل الأفريقية لكن الاسم موجود في لسان القدماء الليبيين وفي لسان الأمازيغيين، فكلمة (آفر) بالأمازيغي تعني الصحراء وهي العلامة الفارقة في قارة أفريقيا كلها، والثروة التي لم نستطع استثمار ها حتى الآن، الثروة الروحية سر ليبيا الذي أنجب التراجيديا الذي عاشها حرفيا وعاشتها الأجيال التالية ولا يزال الليبيون يحييونها حتى اليوم.

وأردف الكوني: هذا يعني أننا ما زلنا أمام طلسم، لغز لم يستثمر حتى الآن، تحسده علينا كل الأمم وتححبه عنا، ولا أحد يستطيع أن يعيد له اعتباره إلا أنتم أبناء هذا الوطن.

الصحراء والوجود والحرية
وفي سؤال عن الميثولوجيا اليونانية، وكيف أن الفكر العربي ظل أسير انحطاطه متشبثا بالأيديولوجيا متجردا من مؤهلاته الروحية؟

أجاب الكوني بأن الصحراء تختزل الوجود، فإذا كانت الحياة مهدا ولحدا، فهي تجسيد للمهد واللحد، والصحراء تحرض على الهجرة، وهي من ذلك تحرض على الحرية، وعندما تحرض على الحرية فهي تحرض على النبوة، والنبوة مهندسة الحقيقة، ولهذا السبب، كل الأنبياء صحراويون، إذا لماذا يحتقر العالم الصحاري وينسى أن البشارة الأولى أو الكلمة الأولى في بلسم الحرية جاءت من الصحراء، فالأنبياء والرسل هم حملة لواء الحقيقة وهم الذين أعطوا للوجود مضمونا، أي روح الوجود وهو الخلاص أي الحقيقة التي تنادي بأن يعبد الإنسان الرب وليس العبد.

وفي سؤال له عن إخضاع شخوصه الروائية لمبدأ الحرية، فهل الحرية نعمة أم عبء علينا؟ يجيب الكوني بأن للحرية معنيين، تقليدي وكانطي، فالتقليدي يجسد عزاء وبلسما في محنة هي الوجود، وتمثل في المفهوم الكانطي حرية الحدود القصوى والبعد المفقود، والحلم الذي لا يتحقق إلا بالموت، لذلك فالموت دائما معبود لذى الفلاسفة والأنبياء والمبدعين الحقيقيين، فهاجس الموت هو المعلم، وهو الكائن الذي يبدع الحرف في بعد الإبداع والخلاص، وهذا يعني أن الحرية هي الرهان الأول والأخير.

التنوير والأيديولوجيا والأسطورة
الكوني تحدث عن رؤيته عن مشروع التنوير في الرواية العربية، مشيرا إلى أن ذلك لن يحدث ما لم نراجع أنفسنا، ما لم نتخلى عن دين الأدلجة ونعتنق دين الميثولوجيا، لأننا اغتربنا عن فكرنا الكلاسيكي المولود في الأدب العربي الكلاسيكي الذي يسمى خطأ بالجاهلي واعتنقنا ما جادت به علينا الأيديولوجيا، ليميت الروح في الإنسان، لأن الأيديولوجيا لم تطح بمشروع النهضة فقط، بل بمشاريع الوجود كلها، وتحتكر الحقيقة مسبقا، وتتحول من كونها قيمة لتصبح مجرد غنيمة وهي السلطة، فأولئك الذين شاءوا لنا أن نتخالف اليوم هم الذين أدلجوا عالمنا منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اللحظة، وهم المسؤولون عن اغترابنا عن الحقيقة، واغترابنا الروحي عن الوجدان الإنساني، وتغريبنا أيضا عن الحياة الحقيقية.

- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

تحدث الكوني أيضا عن معنى الأسطورة في كتاباته، بوصفها من وجهة نظره أنها رأس مال الإبداع، فنحن لا نستطيع أن ندرك معنى العدم دون شهادة الأسطورة، فهي الشاهد العيان على اللازمن، ولأن تجربة الإبداع واقعة بين الشي واللاشي، بين المكان واللامكان، بين العدم واللازمن، ما يعني أننا عندما نكتب، لا نكتب عن المكان الذي نسكنه بل المكان الذي يسكننا، لأن المكان الذي نسكنه هو الحرف فيما يمثل المكان الذي يسكننا القيمة، وهذا يعني أن المبدع إذا كان ممتلئ روحيا، ويحوي ذلك الجنين الميتافيزيقي الذي تحدث عنه أفلاطون، عليه أن يجد طريقا إلى ذلك الجنين، ويساءل ذاته، فالثروة هي الوجدان والإيمان، أي ثروة الموت والموقف من الموت.

التحدي ونزيف الكتابة
وفيما ما إذا كانت أسباب وجود هذا الجنين متوفرة في بيئتنا العربية، يقول الكوني إنها متوفرة في كل البيئات لأن بيئته هي ذاتنا وليس الواقع هي الأنا التي تعيش باستمرار تجربة الدون كيشوت، فالإنسان الذي لم يجد في داخله التحدي والهم الكينوني فلن يستطيع الإبداع، فمثلا الكاتب الفرنسي مارسيل بروست في عمله الملحمي (البحث عن الزمن المفقود) المكون من سبعة مجلدات، كان يكتب عن اللاشي، عن العدم وتقريبا هو كل شي.

يواصل الكوني: هذا اللاشي هو إفلاس الواقع أي المعاناة التي تكابدها البشرية منذ بداياتها، وهو العامل الذي صنع شخصية سارتر وعبر عنه في كتابه (الغثيان). هذا يعني أنه إذا لم نخلق في أنفسنا التحدي الجدلي بين القيمة والغنيمة أو بين الحضور الحقيقي في الوجود وبين الحضور الزائف، لن نستطيع أن نكتب عملا خالدا، فكل الأعمال الخالدة تناولت هذه القضية بشكل أو بآخر، وتناولت بثلاثة عناصر رئيسية وهي (الأسطرة والفلسفة والدين).

والدين ليس بمعناه الشعائري ولكن بمعناه الروحي، وذلك يعني أن الذين يشكون من إفلاس الواقع، يشكون من عدم قابلية تحول الواقع إلى رواية، أي إلى تراجيديا وعمل حقيقي لأنهم لم يستنطقوا أنفسهم بما يكفي، ولم ينزفوا بما يكفي لكي يواجهوا هذا التحدي في أنفسهم، وهو ما لن تحققه لك وزارة الثقافة ولا سويسرا ولا جبال الألب، أنت تصنع ذلك بنزيفك.

وعلق الكوني: كل أعمالي كتبتها بالنزيف، فالمكان لن يكتب لك شيئا ولا الدولة والآخرون أيضا، فالتحدي موجه لك أنت في الأعماق، وما لم تضع أمامك خيارا بين الكتابة أو الموت، فلن تستطيع أن تقدم عملا حقيقيا.

الغربة والقراءة والهوية
تطرق الكوني إلى مسألة الغربة والقراءة، وهل الغرب قرأه أكثر من العرب، موضحا أن الكفة ترجع لصالح القارئ الغربي لأنه كان شاهد عيان على الأدب الحقيقي، وشاهدا على المعنى والتطور بمراحله التقليدية التنويرية التي أوصلته إلى هذه النتيجة.

وقصد الكوني بذلك الواقع الحرفي أي كل الدول والأحزاب والثروات والأغنياء والأقرباء، كلهم لا يعنون شيئا عندما يريد الإنسان أن يحقق نزيفه، ويقال إن كل إنسان في نهاية حياته يحتاج أن يكتب تجربته وهي الرواية، لأنها شهادة على وجوده، لأن الرواية حلم كل إنسان في هذا الوجود، لذلك كان التحدي هو كيف تنزف تجربتك. هل تستحق أو لا تستحق، والإنسان في هذا الوجود عبارة عن نص، البعض استطاع أن ينزف هذا النص، والبعض أعجزته قواه على أن يواجه هذا النزيف، لأنه قرين الموت.

يصطدم طرح الكوني بسؤال آخر حول مفهوم الهوية خصوصا عند إشارته إلى أن الصحراء تتكلم عربيا وأمازيغيا، فكيف يستطيع الكوني أن ينزف وهو غائب عن إجابة السؤال الأكبر (الهوية)، ويجيب عن ذلك في كون الهوية ليست واحدة فهي هويات (أيديولوجية، البشرية، الثقافية) فنحن والتعبير للكوني تسكننا مجاميع من الهويات تسكن وجدان كل إنسان في هذا الوجود، وعلى المبدع أن يترفع عن هذه الهويات، لأن هناك الهوية (X) هي الهوية الرئيسية، وعلى المبدع أن يكتب بلغة الروح التي ولد بها الإنسان وتسكن في داخل كل اللغات.

يسجل الكوني في خاتمة حديثه انتصاره للرواية الإبداعية ضد الذكاء الصناعي بالقول إن التقنية آثمة منذ الأزل، فهي شريرة وعدو الروح الأول، ومنبوذة حتى دينيا، لذا لا سبيل للروح إلا أن تكون يقظة لتدير دفة الكون، فهو أي الكون إن سلم للتقنية سينهار.

الحضور في الحوارية. (أرشيفية: الإنترنت)
الحضور في الحوارية. (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«المعرض الوطني للفنون التشكيلية» ينطلق في «متحف ليبيا» تكريمًا للفنان علي مصطفى بن رمضان
«المعرض الوطني للفنون التشكيلية» ينطلق في «متحف ليبيا» تكريمًا ...
«صناعة الرؤية».. حوارية تجمع ثلاثة مخرجين ليبيين ضمن «ليالي المدينة» في طرابلس
«صناعة الرؤية».. حوارية تجمع ثلاثة مخرجين ليبيين ضمن «ليالي ...
حصاد مثمر ومتنوع لموسم ليبيا الثقافي
حصاد مثمر ومتنوع لموسم ليبيا الثقافي
إبراهيم الكوني: الرواية حلم كل إنسان .. والتحدي كيف تنزف تجربتك؟
إبراهيم الكوني: الرواية حلم كل إنسان .. والتحدي كيف تنزف تجربتك؟
«نتفليكس» تعيد إحياء عالم روبرت لانغدون بوجه جديد.. مورغان سبيكتور يخلف توم هانكس
«نتفليكس» تعيد إحياء عالم روبرت لانغدون بوجه جديد.. مورغان ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم