في التاسعة مساء الأحد المقبل، بتوقيت ليبيا، يُسدل الستار على بطولة كأس العالم 2026، التي انطلقت في الحادي عشر من يونيو الماضي، وشارك فيها 48 منتخبًا، خاضت فيما بينها 104 مباريات، في سباق من أجل الفوز باللقب العالمي.
وعقب انتهاء البطولة وإطفاء أنوار الملاعب التي استضافت المباريات، سيتعرف العالم إلى البطل الذي سيبقى متربعًا على العرش لأربعة أعوام مقبلة، قبل أن يبدأ سباق جديد العام 2030 في المونديال الذي سيقام، بشكل أساسي، في المغرب وإسبانيا والبرتغال، إلى جانب إقامة ثلاث مباريات في الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي.
لم تكن الإثارة مقتصرة على ما جرى فوق المستطيل الأخضر فحسب، إذ شهدت البطولة، وللمرة الأولى في تاريخ بطولات كأس العالم، هجومًا على الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وسياساته في إدارة المونديال، بل وصل الأمر إلى اتهام الاتحاد الدولي ورئيسه جياني إنفانتينو بالانحياز والخضوع لرغبات الرعاة الرئيسيين، من خلال مجاملة منتخب الأرجنتين ونجمه ليونيل ميسي في عديد المباريات، ولا سيما مباراته أمام مصر، وهي المباراة التي فجرت أحداثها موجة غضب عالمية عارمة تجاه «فيفا».
كما واجه إنفانتينو اتهامات بالخضوع لرغبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإلغاء بطاقة حمراء للاعب الأميركي بالوغون قبل مواجهة بلجيكا، وهو ما أحرج رئيس «فيفا» أمام العالم، ليُضاف هذا الموقف إلى الشكوى المقدمة ضده أمام اللجنة الأولمبية الدولية بسبب قيامه، بشكل منفرد، بمنح ترامب جائزة «فيفا» للسلام.
الحكام في قفص الاتهام
أما التحكيم، فكان الأسوأ على الإطلاق في تاريخ كأس العالم، وكان نقطة الضعف الأبرز في البطولة، بعدما ارتكب الحكام عديد الأخطاء التي وضعتهم في مرمى نيران الانتقادات. كما أجرى «فيفا» تعديلات على القوانين منحت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) صلاحية التدخل في كل كبيرة وصغيرة بالمباريات، وهو ما تسبب في إلغاء أهداف وطرد لاعبين بقرارات مثيرة للجدل.
خروج الصغار مبكرًا
حملت كأس العالم 2026 الكثير من المفارقات، إذ تباينت مستويات المنتخبات المشاركة بشكل كبير بسبب زيادة عدد المشاركين إلى 48 منتخبًا، ما سمح بتأهل عدد من المنتخبات التي لا ترقى إلى المستوى العالمي، فكانت النتيجة تعرضها لهزائم كبيرة واستقبالها عددًا كبيرًا من الأهداف. وفي المقابل، ظهرت منتخبات أخرى بمستويات جيدة، بعدما تطورت وارتفع سقف طموحاتها بصورة لافتة.
فعلى سبيل المثال، غادر منتخبا كوريا الجنوبية والتشيك من الدور الأول بعدما قدما أسوأ أداء في تاريخ مشاركتيهما في كأس العالم. والحال نفسه بالنسبة إلى منتخب قطر، الذي تذيَّل مجموعته في مشاركته الثانية بالمونديال، إذ استقبل «العنابي» عشرة أهداف وسجل هدفين فقط، مكتفيًا بنقطة واحدة. كما فشل منتخب أسكتلندا في العبور إلى دور الـ32، إلى جانب منتخب هايتي، الذي لم يحصد أي نقطة، وسجل هدفين واستقبل ثمانية أهداف.
- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وفي مشاركة مخيبة لآمال جماهيره، تذيَّل المنتخب التركي مجموعته ورحل مبكرًا. وعلى الرغم من المشاركة الشجاعة لمنتخب كوراساو، الوافد الجديد إلى كأس العالم، فإنه غادر سريعًا بنقطة واحدة، مسجلًا هدفًا واحدًا، فيما استقبلت شباكه تسعة أهداف، كما تلقى أكبر هزيمة في البطولة بخسارته 7-1 أمام ألمانيا.
وكانت الصدمة العربية الأولى من نصيب تونس، التي عكست نتائجها وأداؤها التراجع الكبير في مستوى الكرة التونسية، فلم يحصد «نسور قرطاج» أي نقطة، واكتفوا بتسجيل هدفين مقابل استقبال 12 هدفًا. وكان من المنطقي أن يغادر منتخب نيوزيلندا، لكن ما لم يكن متوقعًا هو خروج إيران من الدور الأول، بالنظر إلى المستوى المقبول الذي قدمه الفريق.
وواصلت السعودية خيبات الأمل في كأس العالم بخروجها من الباب الضيق، في تجسيد لأزمة الكرة السعودية، التي فتحت الباب أمام اللاعبين الأجانب، فدفع المنتخب الثمن بتراجع مستوى لاعبيه نتيجة عدم مشاركتهم بصورة كافية في المباريات. وتواصل السقوط العربي بخروج العراق من دون أن يحصد أي نقطة، والأمر نفسه بالنسبة إلى الأردن والجزائر. وبلا أي نقطة أيضًا، غادر منتخب أوزبكستان المونديال إلى جانب منتخب بنما.
ومن المؤكد أن توسيع دائرة المشاركة في كأس العالم أضر بالمستوى الفني لبعض المباريات، لأن المنتخبات التي استفادت من قرار رفع عدد المشاركين إلى 48 منتخبًا شكلت حملًا زائدًا على البطولة، ومثلت مواجهتها عبئًا إضافيًا على المنتخبات الأخرى، التي كانت في غنى عن ذلك. لكن الاتحاد الدولي ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى، تتمثل في المكاسب المالية التي سيحققها من وراء مشاركة هذا العدد الكبير، إذ تمثل كل مباراة إضافية فرصة لتحقيق عوائد مالية كبيرة تزيد من إيرادات «فيفا».
أوراق الكبار تتساقط
وفيما حافظ غالبية الكبار على مواقعهم في قمة الهرم الكروي العالمي، سقط آخرون سقوطًا مؤلمًا عكس الأزمة التي يمرون بها، وعلى رأسهم منتخب ألمانيا، الذي خيب توقعات جماهيره، التي كانت تأمل في اقتراب تعافيه بعد خروجه من مونديالي روسيا 2018 وقطر 2022 من الدور الأول، لكنه اكتفى بالتأهل إلى دور الـ32، حيث اصطدم بمنتخب باراغواي، الذي أنهى رحلة «الماكينات».
- للاطلاع على العدد «556» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وكذلك منتخب البرازيل، الذي انتهت رحلته بشكل صادم عند دور الثمانية على يد منتخب النرويج، الأمر الذي يكرس أزمة «السامبا» والكرة البرازيلية، التي لم تعد قادرة على إنتاج المواهب كما كانت تفعل على مدى عقود.
الأمر نفسه ينطبق على منتخب هولندا، الذي ودع البطولة من دور الـ32 على يد المغرب، ليتضح أكثر فأكثر أن الكرة الهولندية لم تعد ضمن القوى الكبرى في عالم كرة القدم.
أما منتخب البرتغال، فكان نصيبه مواجهة نظيره الإسباني في دور الـ16، في مباراة مثلت نهاية حقبة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وبداية مساعي البرتغال للبحث عن هوية جديدة على خريطة الكرة العالمية.
الرباعي الكبير يتألق حتى النهاية
في المقابل، واصلت منتخبات أخرى الحفاظ على هيبتها الكروية ومضت حتى الأدوار الأخيرة، وفي مقدمتها إسبانيا، التي بلغت النهائي عن جدارة، وتصاعد مستوى أدائها من مباراة إلى أخرى. وبرهن الإسبان على أنهم من أفضل منتخبات العالم، بقدرتهم على ترويض أي منافس مهما كان اسمه أو حجم نجومه، والدليل ما فعلوه أمام فرنسا في الدور نصف النهائي، إذ تمكنوا من إبطال مفعول نجوم «الديوك» وحرموهم تمامًا من الوصول إلى مرماهم، لتبدو المباراة وكأنها من طرف واحد.
ونظرًا إلى أن عددًا كبيرًا من لاعبي المنتخب الإسباني من صغار السن، فإن المستقبل يبدو في صالح «لا روخا»، الذي يُتوقع أن تكون له اليد العليا في عالم الساحرة المستديرة خلال السنوات المقبلة.
أما الأرجنتين، فكان لها أيضًا حضور قوي، على الرغم من سهولة طريقها في المونديال، واستفادت كثيرًا من وجود قائدها ليونيل ميسي، الذي وإن بدت آثار التقدم في السن واضحة على أدائه، فإنه لا يزال قادرًا على تغيير مجرى أي مباراة، وإنقاذ منتخب بلاده من أصعب المواقف، كما فعل أمام مصر. وفرنسا هي الأخرى من المنتخبات الكبرى التي ما زالت تحتفظ بقوتها الكروية، وكان بإمكانها بلوغ النهائي لولا أن إسبانيا وقفت في طريقها. وسيكون على الاتحاد الفرنسي البحث عن مدرب جديد، بعد رحيل ديدييه ديشان عن منصبه بنهاية المونديال الحالي.
أما الإنجليز، فقد استفادوا من وجود الألماني توماس توخيل على رأس الجهاز الفني، إذ تمكن من تغيير عقلية اللاعبين الإنجليز، وقدم منتخب «الأسود الثلاثة» أداءً قويًا. والأهم من ذلك أن الفريق برهن على عزمه الفوز على أي منافس، إذ بات قادرًا على العودة في النتيجة بعد التأخر، ثم قلب الموازين وتحقيق الانتصار، وهي ميزة لم يكن يمتلكها المنتخب الإنجليزي في السابق.
تعليقات