إحياء لذكرى شيخ الخطاطين إبراهيم المصراتي شهد قصر الخلد بالعاصمة طرابلس، الأحد إقامة معرض للخط العربي.
المعرض استمر على مدى ثلاثة أيام ، ونظمه المركز القومي للفنون والتراث بالتعاون مع النقابة العامة للخطاطين ورعاية الهيئة العامة للسينما والمسرح، بحضور نخبة من الكتاب والصحفيين والمهتمين بشؤون الخط العربي. شارك في المعرض عدد من تلاميذ المصراتي بمجموعة مختارة من أعمالهم وهم «د.أحمد الزايدي، أحمد عون، أسماء الغرياني، جلال الصادي، حسن شاهين، سالم الدغيس، سامية بوبه، عمر بركة، محمد النكاع، هناء الشريف، د. آمنة كريشان، المولدي بورخيص، سليم العلمي، محمد مصدق، جاسم معراج».
مدير الهيئة العامة للسينما والمسرح، عبدالباسط أبوقنده، ألقى كلمة أشار فيها إلى أن المعرض يجمع بين جمال الحروف وأصالة التكوين، وهو أي الخط العربي ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل يعتبر فنا راقيا يحمل في انحناءات حروفه تاريخ أمة، ويجسد هوية ثقافية وحضارية، امتدت عبر القرون حتى أصبح لغة عالمية للجمال، وميدانا رحبا للإبداع والابتكار.
أضاف أبوقنده أن الفن هو الجسر الأسمى للتواصل بين الشعوب، لذا تكون مسؤوليتنا الحفاظ على هذا الإرث الأصيل ودعم رواده ليبقى حاضرا في وجدان الأجيال القادمة، وكان اختيار اسم الفنان وشيخ الخطاطين إبراهيم المصراتي دليلا على هذه الحفاوة.
جعل للحرف رسالة
من جانبه قال نقيب الخطاطين سالم الدغيس في كلمة استهلالية: نستحضر سيرة رجل أفنى عمره في خدمة الخط العربي، وجعل للحرف رسالة ومن الإبداع طريقا للعطاء، ويمضي الزمن لكن القامات الكبيرة تبقى لأنها تركت أثرا عميقا في النفوس والأعمال، ولا زال تلاميذه يستحضرون تواضعه وأخلاقه وسعة علمه، وشغفه الذي لا ينتهي بالحرف العربي وجمالياته.
وواصل الدغيس: كان معلما ومربيا قبل أن يكون خطاطا مبدعا، غرس في نفوسنا الإتقان واحترام الفن والاعتزاز بهويتنا العربية، وقد رحل الجسد لكن ما تركه من أعمال خالدة وتلاميذ يحملون رسالته، ومصحف كتبه بيد مؤمنة خالصة، سيظل شاهدا على سيرة حافلة بالعطاء.
تضمن معرض (تجليات الحروف) مشاركة سبعة عشر خطاطا على المستوى المحلي والعربي، حيث تنوعت الأعمال بين الطابع المباشر للخط والسمة التجريدية أو الشكل الهندسي الذي يحفظ للخط وضوحه مع مسحة جمالية، وفي مجمل اللوحات نرى قدرة الفنانين على بث تصوراتهم التشكيلية للخط مع إبراز الخصائص اللغوية من حيث تبيان سمات الحروف وأنواعها.
سيرة ضيف شرف
اختُيرت شخصية الشيخ محفوظ البوعيشي ضيف شرف للمعرض؛ إذ يعد أحد أبرز أعلام الخط العربي في ليبيا، فقد بدأت علاقته بالخط منذ المرحلة الابتدائية بمدرسة شارع الزاوية بطرابلس مطلع ستينيات القرن الماضي، والتحق 1973 بدورة لتحسين الخطوط تحت إشراف الشيخ أبوبكر ساسي ثم تتلمذ على يد الخطاطين المصريين محمود سلامة ومحمد حمام، وامتدت خبرته المهنية لعقود حيث عمل خطاطا في الجرائد الليبية كما عمل خطاطا ومدققا لرسم الخرائط بمصلحة المساحة بوزارة التخطيط، وسافر العام 1992إلى اسطنبول لدراسة فن الخط العربي على يد شيخ الخطاطين الأتراك حسن جلبي وأجيز العام 1996.
- للاطلاع على العدد «554» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
شارك البوعيشي في العديد من المعارض والملتقيات الفنية داخل ليبيا وخارجها من بينها «الشارقة، دبي، طهران فاليتا، جاكرتا» وتقديرا لعطائه الفني منحته جمعية الخطاطين الأردنيين بالتعاون مع هيئة اليوم العالمي للخط العربي لقب (شيخ المشاقين المعاصرين).
المصراتي ورحلة الخط العربي
قاد شغف الطفولة وفضولها الفنان والخطاط الراحل إبراهيم المصراتي (1958-2026) إلى تصفح الكتب والمجلات والتمعن في أشكال وخطوط عناوينها، كذلك مانشيتات الجرائد كالفجر الجديد والميزان والمنتجون، التي شهدت صفحات بعضها إبداعات الخطاطين المصريين، الذين استفاد من خبراتهم، مثل المرحوم محمد حمام ومحمد إبراهيم هؤلاء وغيرهم، وبحصوله على الشهادة الإعدادية انتقل للدراسة بمعهد ابن مقلة للخط العربي لمدة أربع سنوات، تحصل بعدها على دبلوم الخط العربي سنة 1981، وتتلمذ في مرحلة لاحقة على يد خطاطين كبار كالشيخ أبوبكر ساسي، ومن مصر الخطاطين محمود سلامة وأبوالعلاء بسيوني، ومن تركيا ياشار ونيازي الذي تعلم منه فن التذهيب.
يصبح الخطاط الطفل شابا مكتمل النضوج الفني وقد صافحت خطوطه فضاء السلطة الرابعة، متدرجا من الصفحات الداخلية حتى أسندت له مانشيت الصفحة الأولى، الذي يفضل فيه خط الرقعة الصحفي، وهو يشد شريحة واسعة من القراء الذين تجذبهم جمالياته وطريقة كتابته في صدر المطبوعة، وقد تجاورت خطوطه في هذا الميدان مع تجارب رواد سبقته من الخطاطين الليبيين منهم الأساتذة محفوظ البوعيشي وعبدالرزاق حريز وحسن جرادة.
خطوة لم تكتمل
وبالعودة إلى تجربة معهد (ابن مقلة) التي بقيت ماثلة في ذاكرة المصراتي كخطوة مؤسساتية تمنى استمرارها لكن للأسف أقفل المعهد وظل تعلم الخط على الطريقة القديمة (الشيخ وطلابه)، فيما بقيت بعض المحاولات لتعليم الخط في المدارس عبر كراسات الخط في مستواها الأول ولم تنتج أي رؤية مستقبلية، وهو ما أدى كما يعلق المصراتي إلى انتاج مشهد بائس من الرداءة الخطية والفوضى البصرية التي تعج بها المؤسسات التعليمية اليوم، حتى إنك تحتاج لمجهود ذهني لفك طلاسم الحروف والكلمات.
يرى المصراتي أن العناصر المهمة في شخص الخطاط تتمثل في الرغبة والموهبة، الصبر، لذلك يجري توجيه سؤال لمن يريد تعلم الخط، هل لديك صبر لتتعلم؟ لذلك سينسحب مع مرور الوقت من لا يمتلك هذه المزايا وحدث ذلك مرارا.
ودائما ما يؤكد أن تكون لوحات الخط العربي موجودة في المساجد والفنادق والمدارس، والبيوت، وهو يمثل إبرازا للهوية والرفع من الذائقة البصرية للمتلقي، كما أن الزائر الأوروبي أو الوافد الأجنبي بصفة عامة لا بد أن يرى ملمحا لهويتنا العربية والإسلامية، وواجهتنا الأولى مؤسساتنا العامة والمرافق المعنية بالسياحة.
تعليقات