على بُعد بضعة كيلومترات من صالات سينما أهملتها عقود من النزاعات التي شلت العراق، يراجع المخرج علي البياتي مع تقنيي الكاميرا سيناريو مشهد في فيلمه الجديد، آملاً أن يُعرض خارج البلاد، في وقت بدأت فيه جهود شابة تدفع بالسينما العراقية نحو العالمية على الرغم من قلة الدعم.
وخلف أبواب متصدعة أكلها الصدأ وتفوح منها رائحة الرطوبة، تقبع «سينما غرناطة» التي لم تعد منذ سنوات مقصداً لعشاق الأفلام، وعند مدخلها لافتة مغبرّة لفيلم مصري قديم، فيما تنتشر على طول شارع الرشيد التاريخي في بغداد صالات تحولت إلى مخازن ولم يعد المارة يتذكرون أمجادها، وفقاً لوكالة «فرانس برس».
وعلى الرغم من هذا المشهد البعيد عن عالم الفن السابع، بدأ صناع أفلام عراقيون يحيون القطاع بجهود فردية مستقلة، تعزز زخمها العام الماضي مع فوز فيلم «مملكة القصب» (The President's Cake) للمخرج حسن هادي بجائزة «الكاميرا الذهبية» في مهرجان «كان» السينمائي في مايو 2025، ليصبح أول فيلم عراقي ينال هذه الجائزة ويتأهل للقائمة القصيرة لجوائز «الأوسكار».
ولا يزال هؤلاء المبدعون يواجهون نقصاً حاداً في التمويل؛ فحتى مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ينهمك البياتي وطاقمه في تهيئة موقع تصوير فيلم رعب مرتقب، حيث يوضح أنه يصنع فيلمه بنمط عالمي لكي يسوّقه عربياً وأوروبياً وأميركياً، معتبراً أن الفن في العراق ليس سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً، على الرغم من اضطرار السينمائي العراقي لإنتاج أفلامه بنفسه غياباً لرؤوس الأموال وشركات التوزيع جراء الفجوة التي خلفتها الحروب المتتالية منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى حرب تنظيم «الدولة الإسلامية».
وتعود الانطلاقة الفعلية للسينما العراقية إلى أربعينات القرن العشرين، حيث كانت الأفلام تُعرض في صالات كلاسيكية دُمّر معظمها لاحقاً، بينما اقتصرت الصالات الحديثة في السنوات الأخيرة على المراكز التجارية (المولات) التي تعرض خصوصاً أفلام «هوليوود» والأفلام المصرية. ويشير المخرج السوري عبد الهادي الركب، الذي أنجز فيلماً وثائقياً عن تاريخ هذه الصالات، إلى أن تراجعها أدى تدريجياً إلى انعدام ثقافة المشاهدة الجماعية وتراجع فكرة الإنتاج.
ولتدارك ذلك، أطلقت بغداد العام الماضي مبادرة حكومية رُصد لها نحو خمسة مليارات دينار (حوالي أربعة ملايين دولار) لدعم 58 مشروعاً سينمائياً، وهو مبلغ يراه وارث كويش، العضو في اللجنة العليا لـ «مبادرة دعم السينما»، غير كافٍ تماماً مقارنة بالميزانيات العالمية، متمنياً تحول المبادرة إلى مشروع سنوي يحظى بدعم القطاع الخاص ويوفر مظلة قانونية واضحة للصناعة.
مشروع «سينماتيك العراق»
ويدير كويش (33 عاماً)، الذي درس السينما بين بغداد وباريس، مشروع «سينماتيك العراق» ضمن المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية، وهو مشروع ممتد لعامين بدعم فرنسي وينتهي في نوفمبر المقبل؛ بهدف الكشف على 104 أفلام قديمة وترميمها يدوياً ورقمنتها لحماية الأرشيف العراقي الضخم، وسط مساعٍ مستمرة لاستعادة أفلام عراقية تحتفظ بها دول مثل فرنسا وروسيا وبريطانيا.
وفي سياق هذه الصحوة، وقّع العراق اتفاقات للتعاون السينمائي المشترك مع فرنسا، وحجز لنفسه مساحة في المحافل الدولية. وعلى الرغم من الصعوبات اللوجستية التي واجهت المخرج حسن هادي (38 عاماً) في فيلمه المتوّج «مملكة القصب»، حيث استعان بطواقم أوروبية لخلق جسر لتبادل الخبرات مع الطاقم المحلي، إلا أنه يرى أن عدم فهم الحكومات المتعاقبة لأهمية السينما خلق ظروفاً وتحديات غير ضرورية تخطتها الدول الأخرى منذ زمن.
ويشدد خريج جامعة «نيويورك» على ضرورة إقامة المزيد من ورش العمل للمواهب المحلية وتخصيص جزء من عائدات التذاكر لدعم الإنتاج عبر هيئة مستقلة لا تتدخل في العملية الإبداعية، مؤكداً إصراره على تنفيذ مشاريع جديدة داخل العراق لوجود قصص لا حصر لها تستحق أن تُروى للعالم.
تعليقات