Atwasat

شياطين الذاكرة ومرايا الروح.. قراءة في العالم السردي لماجدة حسانين

القاهرة - بوابة الوسط الجمعة 03 يوليو 2026, 05:00 مساء

تراهن مجموعة «شياطين المندرة» للكاتبة المصرية ماجدة حسانين على الإنسان من الداخل أكثر ما يراهن على الحدث الخارجي. فمن خلال نصوص المجموعة الصادرة أخيراً عن دار «الأدهم للنشر والتوزيع» بمصر، تتشكل أمام القارئ عوالم مأهولة بالحنين والفقد والانتظار، وتبدو الذاكرة فيها وكأنها الشخصية الأكثر حضورًا واستمرارً. 

BCD Ad BCD Ad

يجد القارئ نفسه أمام تجربة سردية تنشغل بما يتركه الزمن في النفوس، وبالآثار الخفية التي تخلفها الخسارات الصغيرة والكبيرة، أكثر من انشغالها بتسجيل الوقائع أو ملاحقة الأحداث.

منذ الصفحات الأولى يلفت الانتباه ميل الكاتبة إلى الاقتراب من المناطق النفسية الدقيقة للشخصيات، وتعقب ما يدور في أعماقها من ارتباك أو خوف أو توق أو انكسار.

تتجلى هذه السمة بصورة واضحة في قصة «ذات مشوشة»، التي تمثل واحدة من أبرز النماذج الدالة على طبيعة الاشتغال السردي في المجموعة، إذ يبدأ النص في فضاء مألوف داخل مقهى، حيث تبدو الأشياء مستقرة ضمن منطقها الطبيعي، ثم تمضي الحكاية في مسار هادئ ومتدرج، بينما يتسلل الشك شيئًا فشيئًا إلى وعي القارئ، وعند الوصول إلى النهاية تتكشف المفارقة التي تعيد ترتيب الوقائع السابقة كلها، فيكتشف المتلقي أن الحوار الذي ظنه يدور بين شخصين كان يدور في مساحة أخرى أكثر التباسًا، وأن الشخصية الرئيسية كانت تواجه انعكاسًا من ذاتها أو حالة ذهنية مرتبكة فرضتها ظروفها النفسية.

هذا النوع من النهايات الذي يكتسب قيمته من قدرته على إعادة تأويل النص، ما يدفع القارئ إلى مراجعة كل تفصيلة مرت به سابقًا.

النيابة العامة تعلن موعد الدورة الثالثة لمعرضها الدولي للكتاب 2026
صدور كتاب «ليبيا.. فريسة أبناء الذئبة 1911-1945» بتعريب السفير مفتاح المسوري
«المختل الأميركي».. رواية صادمة أم تشريح مرعب لعالم فقد إنسانيته؟

وتبدو عناية الكاتبة بالبناء السردي واضحة أيضًا من خلال اختيار زوايا الرؤية غير التقليدية، مثلاً في قصة «شاهد عيان» تتخلى عن الراوي البشري المعتاد، وتمنح مهمة الرصد لكيان صامت داخل المكان؛ حيث يتحول الأثاث و الجدران شهود يراقبون التفاصيل الحميمة للعلاقة بين الشخصيات. هذه التقنية تمنح النص درجة عالية من الخصوصية؛ إذ تتيح للكاتبة مراقبة الشخصيات من مسافة متوازنة تجمع بين القرب والحياد في الوقت نفسه.

ومن خلال هذا المنظور تتحول الأشياء الجامدة إلى جزء من النسيج الدرامي، فتكتسب البيوت والغرف واللوحات وظيفة تتجاوز حدود المكان لتشارك في إنتاج المعنى وكشف التحولات الإنسانية.

التقاط اللحظات الإنسانية العابرة 
وتظهر قدرة الكاتبة على التقاط اللحظات الإنسانية العابرة في عدد من النصوص التي تقوم على استدعاء مشاهد الوداع والفقد. ففي «ذاكرة الوداع» مثلا تتجاور في النص وجوه مختلفة تنتمي إلى عوالم متباينة: عروس ترتدي ثياب الفرح، ومجندون يستعدون للرحيل، وأمهات يواجهن قلق الفقد بصمت ثقيل. هذا التعدد يخلق لوحة إنسانية واسعة تتجاور فيها البدايات والنهايات، والأمل والخوف، والفرح والحزن.

وفي قصة «جيب أبي» يتخذ الحنين مسارًا أكثر خصوصية، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة المرتبطة بالأب الغائب إلى خزانة للذاكرة، تستعيد الشخصية أشياء تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها تاريخًا كاملًا من المشاعر والعلاقات، ومن خلال هذا الاستدعاء تتكشف صورة الأم التي تواصل الكفاح من أجل الحفاظ على البيت واستمرارية الحياة بعد رحيل أحد أعمدتها الأساسية.

وتتجسد فكرة الوفاء العابرة للزمن في قصة «الفتنة نائمة» التي ترصد امرأة عجوزًا بقيت مخلصة لذكرى حبيب رحل قبل أن يكتمل مشروعهما. 

وعلى امتداد النص تتجسد قوة الانتظار وقدرته على مقاومة الزمن،اللافت أن النهاية تمنح الموت دلالة مختلفة، حيث يغدو أشبه بجسر يؤدي إلى لقاء طال انتظاره، الأمر الذي يضفي على القصة مسحة وجدانية مؤثرة دون الوقوع في الميلودراما المباشرة.

أما «سميته إبراهيم» فتنتمي إلى منطقة سردية أكثر قسوة، حيث تحضر أجواء الحرب والخراب والتشظي الإنساني. ومع ذلك لا يستسلم النص لسطوة المأساة، إذ يفسح مجالًا لظهور رمز للحياة والأمل في مواجهة الدمار.

تنجح الكاتبة هنا في الحفاظ على التوازن بين المشهد الإنساني العام والتجربة الشعورية الخاصة، فتخرج القصة محملة بقدر كبير من التأثير العاطفي.

وفي «وجع صامت» تتأكد مرة أخرى هيمنة البعد النفسي على كثير من نصوص المجموعة، فالمكان يبدو أقرب إلى امتداد للحالة الداخلية للشخصية منه إلى فضاء واقعي مستقل. تتداخل الأزمنة والوجوه والذكريات بصورة تجعل القارئ يعيش حالة التردد نفسها التي تعيشها الشخصية. ويمنح هذا الأسلوب النص طابعًا تأمليًا ينسجم مع طبيعة التجربة المطروحة.

كما تكشف «ثورة الأحمر» عن جانب آخر من اهتمامات الكاتبة، حيث تدخل منطقة الميتاسرد، أي الكتابة عن الكتابة نفسها، ويغدو فعل الكتابة موضوعًا للنص. ويحسب للكاتبة أنها تتعامل مع هذه الفكرة بجرأة رمزية تجعل النص قادرًا على طرح أسئلته دون أن يفقد تماسكه الفني.

تمتلك ماجدة حسانين لغة فصيحة سلسة بعيدة عن التعقيد المفتعل. الجمل تتدفق بسهولة، وتحافظ على توازن واضح بين الوصف والحركة السردية. ومن أبرز سمات هذه اللغة قدرتها على تجسيد الحالات المعنوية عبر صور حسية ملموسة.

كذلك تبرز مهارتها في التعبير عن الانفعالات عبر إشارات صغيرة مكثفة. فعبارة مثل «ضحكة لم تصل إلى عينيها» تختصر مساحة واسعة من التناقض النفسي، وتكشف ما تخفيه الشخصية خلف قناعها الاجتماعي. هذه القدرة على الاقتصاد في التعبير تمنح كثيرًا من المقاطع قوة تأثير ملحوظة.

ويأتي الحوار في أغلب النصوص مقتصدًا ومحسوبًا. الشخصيات لا تشرح نفسها بإفراط، ولا تنخرط في خطب طويلة وتكتفي بعبارات قصيرة تفتح المجال أمام القارئ للمشاركة في بناء المعنى. ويساعد هذا الأسلوب على الحفاظ على إيقاع السرد وتجنب الترهل.

مآخذ على التجربة السردية
ربما يؤخذ على التجربة السردية هنا سيطرة اللغة أحيانًا على حساب الحركة السردية، وهو مأخذ يقع فيه غالبا ذوو الحس الشعري، ففي عدد من النصوص، وخصوصًا تلك ذات النزعة الوجدانية العالية مثل «طيف الغياب» و«ثورة الأحمر»، تستحوذ الصورة الشعرية على مساحة كبيرة من النص، فيصبح القارئ أكثر انشغالًا بجمال العبارة من متابعته لتطور الحكاية. هذه السمة تمنح النصوص نبرة أدبية واضحة، لكنها قد تؤدي أحيانًا إلى إبطاء الإيقاع السردي.

كما يلاحظ وجود تقارب ملحوظ في المزاج الشعوري لعدد من القصص. فالفقد والحنين والانتظار والوحدة تتكرر كمحاور أساسية في معظم النصوص. ورغم أن هذا التكرار يرسخ هوية المجموعة ويمنحها وحدة داخلية، فإنه قد يخلق لدى بعض القراء إحساسًا بتشابه النبرة العاطفية بين قصة وأخرى.

كما اقتربت بعض النصوص من فضاء التأملات والمونولوجات الداخلية أكثر من اقترابها من القصة القائمة على الصراع والتحول الدرامي. وهو اختيار مشروع من الناحية الفنية، غير أن زيادة مساحة الفعل والصراع في بعض المواضع كانت ستمنح النصوص قدرًا إضافيًا من الحيوية والحركة.

بعض الجمل كان يمكن أن تحقق أثرًا أقوى لو خضعت لمزيد من التكثيف، خصوصًا في المقاطع التي تتوالى فيها الصفات والصور الشعرية بكثافة ملحوظة.

في المحصلة النهائية، تكشف «شياطين المندرة» عن صوت قصصي يمتلك حساسية إنسانية واضحة وقدرة ملحوظة على استكشاف المناطق النفسية الهشة في البشر. تتجاور في هذه النصوص الواقعية الوجدانية مع النزعة الرمزية، وتتحرك الحكايات بين الذاكرة والحاضر، وبين ما تحقق وما ظل معلقًا في منطقة الحلم. إنها تجربة تميل إلى القصة النفسية والشعرية أكثر من ميلها إلى القصة الحدثية التقليدية، وتنجح في كثير من مواضعها في ترك أثر وجداني وفكري يستمر بعد انتهاء القراءة، وهو ما يمنحها مكانة جديرة بالالتفات داخل المشهد القصصي المعاصر.

نبذة عن الكاتبة
ماجدة حسانين هي شاعرة وكاتبة مسرحية مصرية، ولدت في محافظة سوهاج. تميزت بمسيرتها الأدبية الثرية وخلفيتها الأكاديمية، حيث حصلت على ليسانس الآداب من قسم علم النفس بجامعة القاهرة، وهو ما انعكس بشكل واضح على عمق الطرح النفسي والإنساني في أعمالها الأدبية.

للكاتبة العديد من الإصدارات التي تتنوع بين الدواوين الشعرية والنصوص الأدبية والمسرحية، منها: دواوين «صلوات عباد الشمس» و«متع مسروقة» و«سيبقى الشعر مديناً»، ومسرحيتي «أبناء النور الواحد»، و«حجر».

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«دار العين للنشر» تعلن قرب صدور رواية «آخر من تبقى في طرابلس» للكاتبة الليبية نجوى وهيبة
«دار العين للنشر» تعلن قرب صدور رواية «آخر من تبقى في طرابلس» ...
نيويورك تتأهب لزفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي في «ماديسون سكوير غاردن»
نيويورك تتأهب لزفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي في «ماديسون سكوير ...
من صالات مهجورة إلى مهرجان كان.. السينما العراقية تبحث عن نهضتها
من صالات مهجورة إلى مهرجان كان.. السينما العراقية تبحث عن نهضتها
«كونفيشنز 2».. نقاد يصفون ألبوم مادونا الجديد بأنه الأفضل لها منذ عقدين
«كونفيشنز 2».. نقاد يصفون ألبوم مادونا الجديد بأنه الأفضل لها منذ...
شياطين الذاكرة ومرايا الروح.. قراءة في العالم السردي لماجدة حسانين
شياطين الذاكرة ومرايا الروح.. قراءة في العالم السردي لماجدة ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم