يقدّم فيلم «صدى» تجربة بصرية وتأملية تنتمي إلى «سينما المزاج» أو Mood Cinema، التي تعرف بالتركّيز على خلق إحساس أو حالة شعورية أكثر من اعتمادها على حبكة تقليدية مليئة بالأحداث أو الحكاية التقليدية، إذ يراهن المخرج الليبي محمد مصلي على الصورة والإيقاع والفراغ، لصناعة فيلم قصير يشتغل على فكرة العزلة والذاكرة، والإنسان المهجور داخل أمكنة فقدت روحها، لكنها لا تزال تحتفظ بأصداء من مرّوا بها.
وتكتسب تجربة الفيلم خصوصيتها من مكان تصويره، إذ جرى تصوير «صدى» داخل «سينما الدريجة» في مدينة مصراتة، وهي واحدة من دور العرض السينمائي التي أُغلقت وأُهملت منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا الاختيار لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل تحوّل إلى قلب الفيلم نفسه؛ فالمكان يبدو كأنه يحمل ذاكرة السينما الليبية المنسية، ويعكس حالة الخراب والصمت التي يحاول الفيلم تحويلها إلى لغة بصرية وشعورية.
-اختيار الفيلم الوثائقي الليبي «بطلة – Champion» للمشاركة في مهرجان دولي بروسيا
-المخرج الليبي محمد مصلي ضمن لجنة تحكيم «مهرجان العودة السينمائي الدولي»
منذ اللقطة الأولى، يضع الفيلم مشاهده داخل فضاء متآكل ومهجور، حيث تتحول الجدران القديمة والمقاعد الصامتة والممرات الخاوية إلى شخصية موازية للبطل. اختيار الأبيض والأسود لم يكن مجرد قرار جمالي، بل عنصرًا دلاليًا يعزز الإحساس بالبرودة النفسية والانفصال عن الزمن، وكأن الفيلم يحدث داخل ذاكرة سينمائية عالقة بين الماضي والحاضر.
رحلة إنتاجية
يُحسب للفيلم أيضًا أن رحلته الإنتاجية كانت جزءًا من روحه الفنية؛ إذ صُوِّرت النسخة الأولى بالكامل بواسطة محمد مصلي باستخدام «هاتف iPhone 13»، حيث تولى بنفسه عملية التصوير. لكن بعد مشاهدة المادة المصورة، طلب مدير التصوير محمد القصيّر إعادة تصوير الفيلم بالكامل مع الحفاظ على الكوادر والزوايا نفسها، ولكن باستخدام كاميرا سينمائية حديثة يملكها القصيّر، وهو ما منح العمل جودة بصرية أكثر احترافية، دون أن يفقد عفويته الأولى أو حسه الشخصي.
هذا التفصيل الإنتاجي يكشف الكثير عن طبيعة «صدى»، بوصفه فيلمًا قائمًا على الشغف أكثر من الإمكانات، وعلى الإيمان بالصورة أكثر من شروط الإنتاج التقليدي. كما يعكس حالة التعاون بين صناع السينما الشباب في ليبيا، حيث تتحول المبادرات الفردية إلى مشاريع جماعية مدفوعة بالرغبة في صناعة فيلم حقيقي على الرغم من محدودية الموارد.
ويعتمد «صدى» على تكوينات بصرية دقيقة، تُظهر وعيًا واضحًا باللغة السينمائية لدى مصلي، خاصة في طريقة استخدام الفراغ داخل الكادر. الشخصية تبدو صغيرة دائمًا أمام المكان، ما يخلق إحساسًا دائمًا بالضآلة والاختناق، ويحوّل السينما المهجورة إلى كائن يبتلع الإنسان ببطء.
كما يلفت الفيلم الانتباه عبر اعتماده على الإيقاع البطيء المدروس، وهو خيار قد لا يناسب المشاهد الباحث عن حدث مباشر، لكنه يخدم الجو النفسي للفيلم بوضوح. فـ«صدى» لا يحاول أن يروي قصة بقدر ما يسعى إلى خلق حالة شعورية قائمة على الترقب والتأمل والصمت.
الحياة تسير وسينما ليبيا مهجورة في مكانها
أما الصوت فيؤدي دورًا محوريًا داخل الفيلم، بما ينسجم مع عنوانه «صدى». فالصمت هنا ليس فراغًا، بل مساحة لسماع ارتداد المكان والذاكرة والخطوات. ويبدو واضحًا أن المخرج يدرك أهمية التصميم السمعي في بناء التوتر النفسي، حتى في أكثر اللحظات هدوءًا، حيث يمنح انطباعا بالسكون في دار السينما المهجورة بالتزامن مع أصوات المارة والسيارات في الخارج، وكأن مصلي يقول: «هنا توقف الزمن، وهناك تستمر الحياة دون أن تلاحظ مدي الفقد والخسارة».
وعلى الرغم من قوة الجانب البصري، كان بالإمكان منح المتلقي خيطًا دراميًا أكثر وضوحًا يربطه بالشخصية على المستوى العاطفي، خاصة أن الفيلم يميل أحيانًا إلى التجريد البصري على حساب التطور الدرامي. إلا أن هذا الخيار يبدو واعيًا ضمن توجه الفيلم نحو السينما التأملية ذات الطابع الرمزي.
في المحصلة، ينجح «صدى» في تقديم تجربة قصيرة تمتلك شخصية بصرية واضحة، وتكشف مخرجا يهتم بالصورة بوصفها أداة تفكير لا مجرد وسيلة سرد. إنه فيلم لا يرثي سينما مهجورة فحسب، بل يحاول إعادة بث الحياة فيها، ولو عبر «الصدى».
خطوة مستقبلية
الفيلم سوف يجرى تقديمه لـ«مهرجان ليبيا السينمائي الدولي للأفلام القصيرة» في دورته الثانية، وذلك لمن ينتظر مشاهدة «صدي» المصلي قريبا.
تعليقات