في تجمع أقيم في صلالة جنوبي سلطنة عمان، يردد رجال بلباسهم التقليدي قصائد قديمة باللغة الجبّالية الشحرية التي لا يفهمها سوى 2% من سكان البلاد ويتمسكون بتوارثها وحمايتها من الاندثار.
ويقول الباحث في التراث الشعبي علي بن سهيل المعشني لوكالة «فرانس برس» إن «عدد الذين يتكلمون اللغة الجبّالية الشحرية اليوم لا يتجاوز 120 ألفا، وهي لغة مهددة بالانقراض لأنها لم تدون جيدا ولم تدرج في المناهج الدراسية».
وتعود أصول الجبّالية الشحرية إلى اللغات السامية، وتفرعت عنها لغات قديمة عاشت في ظفار، من بينها الشحرية، وأخرى باتت شبه منقرضة اليوم مثل البطحرية التي يتحدثها ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، وفق المعشني.
ويختلف الناطقون بهذه اللغة حول تسميتها، فهناك من يصر على «الجبالية» فقط، ومن يطلق عليها اسم «الشحرية».
- السامية من اللغة إلى الأيديولوجيا.. لماذا لا يكون العرب معادين للسامية؟
- تخصيص 3.5 مليون دينار لحل المختنقات في كلية اللغات شحات
- الدكتور محمد الدويب: كتاب «هيرودوتس» حصيلة ثلاثة عقود من الترجمة
ويقول المعشني، الذي يقود فريقا لإنجاز أول معجم شامل لهذه اللغة ويضم نحو 125 ألف مفردة مترجمة إلى العربية والإنكليزية، إنه اختار موقف الوسط بعبارة «الجبّالية الشحرية»، مضيفا أنها لغة متكاملة الأركان تضم قواعد صرف ونحو كاملة، واستخدمت عبر التاريخ في الأشعار والأمثال والأساطير، لكنها بقيت «لغة خام دون أن يصيبها أي تهذيب».
ومن المتوقع أن تكون للمعجم نسخة إلكترونية تضم خاصية النطق الصوتي لحفظ مخارج الحروف والأصوات المميزة في الجبّالية الشحرية.
البيئة شبه المغلقة ساعدت على بقائها
وضعت الجغرافيا الجبلية المميزة لظفار هذه اللغة في بيئة شبه مغلقة، ينشأ فيها الأطفال على لسان الأجداد، ويكبرون على أنغام الفنون الشعبية والقصائد المتوارثة التي تحفظ في طياتها كلمات عتيقة اندثرت من الحياة اليومية.
ويقول المعشني: الجبّالية الشحرية لغة تاريخية قديمة جدا موغلة في عمق التاريخ، العزلة في ظفار حمتها من الاندثار.
لكن العزلة اليوم لم تعد كافية لحماية هذا الموروث اللغوي أمام الزخم الهائل للتكنولوجي،. فرغم تمسك القبائل بعاداتها وتقاليدها ولغتها، إلا أن معظم أفرادها يملكون هواتف ذكية ويتفاعلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما انتقل كثير من أبناء الجبال الى المدن أو خارج ظفار، ما أفقد بعضهم القدرة على تحدث اللغة بطلاقة.
ومع ذلك، أكد جميع من حاورتهم فرانس برس إصرارهم على الحفاظ على هذه اللغة ومخاطبة أطفالهم بها دائما.
ويوضح سعيد شماس، وهو ناشط على منصات التواصل الاجتماعي من ظفار، أن تعلم اللغة يبدأ من نشأة الطفل في البيت، حيث يتحدث بها الأب والأم والأجداد.
مبادرات لتوثيق الجبّالية الشحرية
يتمسك أهل ظفار بتوريث اللغة الجبّالية الشحرية عبر الفنون الشعبية للحفاظ عليها، ويبذل المسؤولون في محافظة ظفار جهودا كبيرة لحماية اللغة ومحاولة تدوينها وتوثيقها.
ففي خيمة في مدينة صلالة في محافظة ظفار، يقول الشاعر العماني خالد أحمد الكثيري، بعد أن أنهى إنشاد قصيدة بالجبّالية الشحرية خلال فعالية ثقافية، إن «القصيدة الجبّالية وسيلة نحافظ بها على هذه اللغة ونعلم من خلالها الأجيال الجديدة».
ويؤكد المعشني وجود جهود حثيثة من المهتمين والباحثين والجهات الحكومية لحماية هذه اللغة ضمن خطة «عُمان 2040» التي تنص على التركيز على مثل هذه اللغات والموروثات الشعبية.
تعليقات