يعتمد الإعلام في تأثيره على آليات متعددة تتخطى نقل المعلومة لتصل إلى عمق الإدراك والسلوك، فهو يحدد أولويات النقاش العام، ويستثير العواطف عبر الصور والسرد القصصي، وقد يساهم أحياناً في نشر معلومات مضللة أو بناء صور نمطية، ومع الثورة الرقمية، أصبح يستخدم الخوارزميات لتخصيص المحتوى وتوجيهه.
في خضم هذا الفهم لدور الإعلام، تأتي دراسة الدكتور عبدالرحمن بن محمد الثنيان، المتمثلة في كتابه الصادر حديثاً عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع بعنوان «بين الوهم والحقيقة.. الإعلام وهجمات 11 سبتمبر»، لتقدم تحليلاً معمقاً لتغطية هذا الحدث المفصلي في الجرائد العربية (الدولية الصادرة من لندن) والجرائد البريطانية.
جاء الكتاب في خمسة فصول تغطي مراجعة الأدبيات، ومنهجية البحث، وتحليل لملكية وسيطرة الجرائد العربية والبريطانية، ونتائج مسح وتحليل محتوى الجرائد البريطانية والعربية الدولية الصادرة في لندن.
يؤكد المؤلف في تقديمه للكتاب أن المعرفة ليست بديهية، بل هي «نتاج عملية مكثفة ومضنية» تتطلب جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها ووضعها في سياقها. هذا التذكير يدعونا كقراء ومتلقين للإعلام إلى التفكير النقدي في المسار الذي سلكته المعلومة قبل أن تصل إلينا.
تساؤلات جوهرية ومنهجية صارمة
يطرح الدكتور الثنيان في مقدمة كتابه السؤال المركزي الذي تسعى الدراسة للإجابة عليه: كيف تعامل الإعلام العربي الناشئ، الذي فوجئ بأحداث 11 سبتمبر، مع «الحرب العالمية على الإرهاب» التي أُعلنت لاحقاً والتي رآها كثيرون في العالم العربي بمثابة «حرب عليه»؟ وما هي أوجه التشابه أو الاختلاف بين تغطيته وتغطية الجرائد البريطانية الراسخة؟
- الصورة التي هزت العالم.. مسابقة «وورلد برس فوتو» تعيد النظر في نسب «فتاة النابالم»
- في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. انحسار مهنة الصحافة أمام طغيان السلطة والانقسام في ليبيا
- وقفة تضامنية من صحفيي باريس من أجل زملائهم في غزة
وللإجابة عن هذا السؤال، اتبع الباحث منهجية محددة، وهي التركيز على الإعلام المطبوع، واختار الباحث التركيز على الجرائد المطبوعة بدلاً من الإعلام المرئي، لأسباب لوجستية تتعلق بصعوبة الوصول للأرشيفات، وللحفاظ على تركيز البحث، ولكونه يرى أن الجرائد المرموقة تقدم «نظرة أكثر عمقاً» وتأثيراً أكبر على النخب، التي تمتلك مفاتيح السلطة في العديد من المجتمعات العربية، وإن كانت القنوات التلفزيونية أوسع انتشاراً وتأثيراً على الرأي العام الأوسع.
اختيار العينة العربية: ركز البحث على «الجرائد العربية البانورامية» الصادرة من لندن، تحديداً جريدتي «الشرق الأوسط» و«الحياة»، باعتبارهما من أبرز الجرائد العربية الدولية التي تطبع عبر الأقمار الصناعية وتوزع عالمياً، وتتجاوز الحدود الوطنية لتصل إلى شريحة واسعة من القراء العرب، مستثنياً الجرائد المحلية.
وللمقارنة، اختار الباحث جريدتين بريطانيتين واسعتي الانتشار تمثلان طيفين مختلفين: «ذي غارديان» (اليسارية) و«ذي تلغراف» (اليمينية). وجاء اختيار الإعلام البريطاني، كما يذكر، لعامل السهولة النسبية وكون لندن مركزاً إعلامياً وثقافياً مهماً للعرب، بالإضافة إلى دور بريطانيا كشريك رئيسي لأميركا في «الحرب على الإرهاب».
اقتصرت الدراسة على تحليل التغطية الإعلامية خلال السنة الأولى التي تلت الهجمات (سبتمبر 2001 - سبتمبر 2002)، نظراً لكونها الفترة الأكثر كثافة في التغطية وتشكيل المواقف الأولية.
فرضيات البحث: الحيادية والتحيز والتحديات
ينطلق البحث من فرضية رئيسية مفادها أن الإعلام العربي «المحترم» (المقصود به الجرائد الرصينة قيد الدراسة)، على عكس الإعلام الشعبي، «أظهر بعض النجاح في تحقيق الحيادية والاحترافية» في تغطيته لأحداث 11 سبتمبر وتداعياتها. ويجري تقييم هذا النجاح النسبي في ضوء عاملين: حداثة الإعلام العربي نسبياً، والضغوط التي واجهها سواء من مجتمعات شعرت بأنها «ضحية وموصومة»، أو من إعلام عالمي قوي كان هو الآخر يكافح بدرجات متفاوتة للحفاظ على الحيادية والموضوعية.
تقدم الدراسة تحليلاً مفصلاً للمواد التي نشرتها الجرائد المختارة، وتكشف عن توجهات متباينة وأساليب معالجة مختلفة:
أولاً: الجرائد العربية الدولية الصادرة من لندن (الشرق الأوسط والحياة والقدس العربي)، أشار الثنيان إلى كثافة التغطية، حيث أفردت هذه الجرائد مساحات ضخمة لتغطية أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها، خاصة خلال الأشهر الأولى (أكتوبر - ديسمبر 2001).
الدراسة تشير إلى نشر نحو 600 نص في جريدتي «الشرق الأوسط» و«الحياة» وحدهما خلال هذه الفترة، ما يعكس حجم الاهتمام العالمي والمبررات المتعلقة بالحشد للحرب في أفغانستان وملاحقة القاعدة.
جريدتا الشرق الأوسط والحياة
مزيج من الأخبار والتحليلات: تنوعت المواد بين الأخبار المتعلقة بالتحقيقات حول منفذي الهجمات وتطورات «الحرب على الإرهاب» وردود الفعل الدولية: «ألمانيا تلاحق مشتبهاً متهماً في هجمات سبتمبر»، «نيويورك تايمز: أبوزبيدة الزعيم الجديد للقاعدة ينظم الخلايا النائمة»، «ملف بريطاني أميركي عن وجود صلات قوية بين صدام والقاعدة».
نقل وجهات النظر الأميركية والغربية: بدت الجريدتان أكثر ميلاً لنقل الروايات والمعلومات الصادرة عن المصادر الأميركية والغربية، والتركيز على ملاحقة تنظيم القاعدة وقادته، والتحقيقات الجارية في أوروبا وأميركا. أمثلة العناوين تشمل: «مصادر أميركية وجدت صلة بين موسوعة الجهاد والمختطفين الانتحاريين»، «دونالد رامسفيلد: القاعدة ستستمر حتى لو استسلم بن لادن»، «مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لا يستبعد التعاون التكتيكي بين بغداد والقاعدة».
محاولة التوازن (نسبياً): رغم هذا التوجه، نقلت الجرائد أيضاً تصريحات ومواقف عربية وإسلامية منددة بالإرهاب ومؤكدة على براءة الإسلام من هذه الأعمال: «محمد السادس، ملك المغرب: هجمات 11 سبتمبر لا علاقة لها بالإسلام». كما نقلت تشكيكاً في بعض الاتهامات «الأمير نايف: لم نتلق من الإدارة الأميركية أي دليل ملموس على تورط سعوديين في هجمات سبتمبر».
ويشير التحليل إلى أن تعامل جريدة «القدس العربي» مع الحدث «لم يكن في صالح أميركا وحلفائها». وبدت الجريدة أكثر تشكيكاً في الرواية الرسمية وأكثر ميلاً لنقل وجهات النظر المعارضة أو المنتقدة للسياسات الأميركية.
أمثلة على العناوين: «بن لادن هو المتهم الأول وليس الوحيد»، «جريدة باكستانية: بن لادن ينفي علاقته بهجمات سبتمبر»، «هجمات سبتمبر ومشكلة العرب: الفصل بين العدالة والأمن هو ما استهدفته الهجمات في أميركا»، «الجيش الإسرائيلي أرسل قواته لتسجيل فرحة الفلسطينيين لتغطية جرائمه في الضفة الغربية».
يخلص التحليل إلى أنه رغم وجود بعض الميل لنقل الأخبار بطريقة موضوعية، إلا أن «التحيز في سلوك الجريدة لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه»، حيث صبغ الموقف المعادي لأميركا وإسرائيل تغطيتها بشكل ملحوظ.
ثانياً: الجرائد البريطانية:
الإدانة الفورية والتركيز على بن لادن: في الأيام الأولى بعد الهجمات، أجمعت الجرائد البريطانية على إدانة الإرهاب، والتضامن مع الولايات المتحدة، والإشارة إلى أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة باعتبارهم المشتبه الرئيسي: «بن لادن يُعتبر المشتبه الرئيسي» - (ذي تلغراف).
استخدمت عناوين قوية تعكس هول الصدمة والتوجه نحو الرد: «إرهاب للجميع»، «ابحث ودمر» - (تايمز)؛ «بوش يتعهد بالانتقام من الإرهابيين الذين أمطروا نيويورك بالموت» - (تلغراف).
تغطية مكثفة للتحقيقات والحرب: خصصت الجرائد مساحات واسعة لمتابعة التحقيقات وكشف هويات المنفذين، ثم التحضير للحرب على أفغانستان والحملة ضد «المنظمات الإرهابية الإسلامية».
جاءت تحليلات جريدة «ذي غارديان»: متعمقة «رغم التغطية السريعة للأحداث، لم تخلُ «ذي غارديان» من تقديم تحليلات معمقة وتعليقات تطرح تساؤلات حول الرد الأميركي «ماذا لا تهاجم الولايات المتحدة أفغانستان؟»، «لماذا يجب على بوش مقاومة دعوات الانتقام؟». كما أبرزت أصواتاً معارضة للحرب: «مسيرة مناهضة للحرب تكتسب زخماً في نيويورك».
متابعة تطورات الحرب وانتقادات: لاحقاً، تابعت الجريدة تطورات الحرب في أفغانستان مشيرة إلى بعض الإخفاقات أو الأخطاء «ربع القنابل الأميركية أخطأت أهدافها في الصراع الأفغاني»، «خطأ أميركي سمح بهروب بن لادن».
أما جريدتا التايمز والتلغراف، فكان التركيز الأكبر على الجانب العسكري والأمني: بدت هاتان الجريدتان، وخاصة التلغراف (اليمينية)، أكثر تركيزاً على تفاصيل الحرب، وملاحقة قادة القاعدة وطالبان، وتصوير الصراع كحرب ضرورية ضد الإرهاب.
كما يلاحظ ربط العراق بالقاعدة حيث أشارت «ذي تايمز» إلى محاولات ربط نظام صدام حسين بالقاعدة «صدام حسين وبن لادن يساعدان المتطرفين، يقول الأكراد». كما أبرزت التلغراف لاحقاً الملف المتعلق بصلة العراق المزعومة بالقاعدة «توني بلير: ملف العراق سيظهر كيف قام صدام بتدريب مقاتلي القاعدة».
كما طرحت التلغراف أيضاً تساؤلات حول الأسباب العميقة للعداء تجاه الولايات المتحدة: لماذا يكره الجميع أميركا فجأة؟».
نحو قراءة واعية للإعلام
استنادا إلى كتاب «بين الوهم والحقيقة»، والتعقيدات الهائلة التي تحيط بالتغطية الإعلامية للأحداث الكبرى مثل هجمات 11 سبتمبر، يتضح أن الإعلام ليس مجرد مرآة للواقع، بل هو لاعب نشط يشارك في بناء التصورات وتوجيه المواقف، متأثراً بعوامل متعددة.
أظهرت الجرائد العربية الدولية الصادرة من لندن، رغم حداثتها النسبية والضغوط التي واجهتها، تبايناً في تغطيتها يعكس تنوع المواقف في العالم العربي، وإن كافحت للحفاظ على درجة من المهنية. في المقابل، أظهرت الجرائد البريطانية الرصينة، رغم تاريخها العريق، هي الأخرى تحديات في الحفاظ على الموضوعية التامة في ظل حدث جلل ومشاعر وطنية متأججة، مع وجود اختلافات بين التوجهات اليسارية واليمينية.
إن فهم آليات عمل الإعلام، وإدراك احتمالات التحيز الكامنة فيه، سواء كانت سياسية أو ثقافية، والوعي بتأثير الملكية والسيطرة، كلها أمور ضرورية لتنمية قراءة نقدية وواعية للمحتوى الإعلامي. في عالم مشبع بالمعلومات، والمعلومات المضللة، لم تعد القراءة السطحية كافية. نحن بحاجة ماسة إلى التمحيص والتحليل والمقارنة فوراء كل معلومة قصة من البحث والتحليل، نحو بناء وعي أكثر استنارة وقدرة على التمييز بين الوهم والحقيقة.
تعليقات