فيما احتفت الأوساط الإعلامية في العالم خلال الأسبوع الجاري باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو، تشهد المنطقة العربية اضطراباً في مؤشر حرية الصحافة، وتأتي ليبيا كأحد أبرز هذه البلدان من ناحية تدني مستوى حرية الصحافة لأسباب تتعلق بالواقع السياسي واستمرار الصراع على السلطة وانتشار السلاح، وجملة من التحديات الأخرى.
«الوسط» حاولت رصد جانب من تلك التحديات والعراقيل التي تواجه مهنة الصحافة في ليبيا والسبيل لتجاوزها والتي يشخصها أستاذ الصحافة بمدرسة الإعلام بالأكاديمية الليبية الدكتور عادل المزوغي بقوله: «لعل المأساة التي تتعايش في خضمها الصحافة الليبية منذ عقود وترسم واقعها الحقيقي دون مواربة أو مزايدة أو رتوش.. أنها تتراجع وتنحسر أمام طغيان السلطة ولصالح الحكومات المتعاقبة عليها.. حيث لا دور رقابي واضحاً لها ولا هوامش حرية حقيقية تعمل بها، صحافة تقدم أدواراً لا حسيس لها، تقاوم من أجل البقاء وتعمل على اتقاء شر الحكومات من أن تمنعها من الصدور أو التوقف».
- «هنا ليبيا» يتابع: تطعيم الحجاج بالجفرة ومسابقة قراءة في هون وجلسة حوارية عن حرية الصحافة
- في لقاءات مع البعثة الأوروبية.. صحفيون وإعلاميون: حرية التعبير شرط أساسي لبناء ليبيا ديمقراطية
- «مراسلون بلا حدود»: استقلالية الصحافة في ليبيا ضحية ضغوط طرفي الصراع
يضيف «إنها صحافة بلا أنياب تلمع السلطة فقط.. لا تجد أدواراً حقيقية لها حتى في كسب السبق الصحفي فما بالك بانتقاد ممارسات الحكومة.. واقع مكبل بقيود السلطة رغم الادعاءات المتكررة بوجود مساحات من الحرية والتعددية الصحفية.. لكن تفشل في كل تجربة واختبار يمس المهنية الصحفية.. وتحديداً في العلاقة التي تحكم السلطة ووسيلة الإعلام والشعب.. فتميل لطرف السلطة دون خجل».
ويكمل المزوغي «المسألة فيما يخص واقع الصحافة الليبية هي بقاؤها في المربع الأول، مربع حاجز الحريات الصحفية دون محاولة القفز منه وتخطيه.. وهذه معضلة حقيقية لأن جوهر الصحافة ليس فقط نقل معلومات وأخبار السلطة؛ بل تقديم الحقائق بحيادية وموضوعية والوقوف أمام الجميع على مسافة واحدة.. لكن هذا لم يكن متاحا لصحافة ليبيا المكبلة بقيود السياسة والأمن أكثر من قيود الرقابة الذاتية وجبن القائم بالاتصال.. ولا يمكن الحديث عن تطور المنظومة التقنية والاستعانة بأحدث التقنيات الصحفية وتطوير الكادر الصحفي».
اختفاء قسري وترهيب
ويواصل أستاذ الصحافة «طالما تعيش صحافتنا تحت قيد السلطة وجبروتها.. فرغم حضور التقنية والأجهزة الحديثة والاستعانة بالمنظومات الحديثة لتطوير الشكل الصحفي وتطوير الإنسان.. يظل ذلك غير ذي جدوى لأنه غير مصحوب بموجة الحريات والأقلام الحرة وكسر القيود.. واقع الصحافة الليبية لا يختلف كثيرا عن واقع الصحافة العربية ككل.. غير أن واقع الصحافة الليبية يزيد عليه في حالات الترهيب بالسلاح والتهديد والاختفاء القسري والتعذيب».
ويتساءل المزوغي «إذاً ما المطلوب عمله لتطوير الصحافة الليبية ونجاحها أولاً: تضمين مساحة الحرية المطلوبة للعمل الصحفي ضمن جوقة قوانين وتشريعات واضحة تصدر من قبة البرلمان بعد اعتماد دستور البلد.. وأن تتضمن تلك القوانين نصوصاً واضحة تبين حدود العلاقة بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وبين الصحافة كسلطة رابعة دورها أن تمارس الرقابة عليها جميعا.. هذه مسألة أساسية لنجاح العمل المؤسسي الصحفي ودون ذلك ستبقى الصحافة والإعلام ككل تابعاً وخادماً أميناً للحكومات المتعاقبة.. إذاً التطوير لا بد أن يكون مؤسساتي يضمن قوة عمل المؤسسة الصحفية بقوة القانون.. لتكون عندنا صحافة حقيقة، وثانياً بناء أجيال جديدة من الممارسين الصحفيين تكون لهم القدرة على مواكبة التطورات الإعلامية المتسارعة أو موضوع احترام أخلاقيات مهنة المتاعب، أو استخدام التقنيات الحديثة بما فيها التعامل مع تطبيقات الذكاء الصناعي وحتى التمويل والأمور المالية وغيرها في تصوري كلها أشياء مقدور عليها، لكن تظل مسألة حرية الصحافة وضمان نجاتها من براثن السلطات الحاكمة ثالثة الأثافي».
بين الترغيب والترهيب
من جانبه يقول رئيس تحرير جريدة أخبار البلاد الناير اليعقوبي «في اليوم العالمي لحرية الصحافة لا نملك ترف الاحتفال بقدر ما نحتاج إلى إعلان حالة طوارئ مهنية، لأننا نعمل في بيئة معادية ترى في الصحفي خصماً لا شريكاً وفي الكلمة الحرة خطراً ينبغي إخضاعه أو إسكاته».
ويشبه الناير الصحفي الليبي اليوم بمن يسير على حبل مشدود بين الترغيب والترهيب، بلا مظلة قانونية، ولا نقابة تحميه، ولا مؤسسات حكومية تحترم دوره وعقله وحقوقه.
- «صحافة نازفة».. حملة لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين الفلسطينيين
- وقفة تضامنية من صحفيي باريس من أجل زملائهم في غزة
يضيف «هذا اليوم الذي يحتفل به أضحى تذكيراً سنوياً بفشلنا في بناء منظومة صحفية تلبي ولو بنسبة بعضاً من أساسيات الصحافة الحرة المغيبة منذ عقود».
ويتابع «اليوم، الصحفيون في حاجة ملحة لبناء نقابات فاعلة في كافة البلديات تمثل الصحفيين فعلاً لا ادعاء، وتمهد الطريق لتأسيس نقابة وطنية واحدة على مستوى ليبيا قادرة على أن تكون درعاً للمهنة وصوتاً لأصحابها، لا أداة في يد من يبحثون عن نفوذ أو وجاهة باسم الصحافة».
ويخلص الناير اليعقوبي إلى أن «ما نتطلع إليه واقعاً ملموساً،ليس فقط هيكلاً نقابياً، بل ثقافة مهنية تبث الحياة في جسد الصحافة كسلطة رابعة، لا كوظيفة هامشية أو واجهات لولاءات سياسية، وتخرج بميثاق شرف يصاغ بإرادة الصحفيين أنفسهم ينظم ألف ياء حيثيات العمل الصحفي».
في النهاية يتساءل كثيرون في الوقت الراهن؛ هل تحولت السلطة الرابعة إلى سلطة تابعة؟ السؤال لا يبدو منطقياً فقط بل متأخر نسبياً إذا ما رصدنا واقع الصحافة الليبية اليوم فهي مقيدة بسلطة الأمر الواقع بجانب أن قوانينها الحاكمة قديمة، ومع ذلك فإن أصوات الصحفيين لم تتوقف عن المطالبة بقوانين تحمي حقوق الصحفي وتؤسس لصحافة حقيقية. لكن تظل هذه الأصوات معلقة في خانة الحلم المؤجل خصوصا في غياب نقابة عامة للصحفيين وواقع سياسي متشظٍ بين حكومتين وتغول سلطة السلاح.
المفارقة الكبرى أن يأتي إلى ليبيا صحفي من تونس في بدايات القرن الماضي ناجيا بجريدة «أبوقشة»، بعد أن ضاقت به السبل تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، بينما تعيش جرائد وصحفيون وقنوات ليبية الآن حالة المنفى في العام 2025.
تعليقات