للفظ القرآني خصائصه اللغوية والنحوية، وأيضا له أثره الإيقاعي والموسيقي الخاص على نفس القارئ، فعبر اللغة وطريقة التلاوة ينتقل إلى عقل وفكر المتلقي فيض من الأثر الروحي والجمالي للجملة القرآنية، وهو جزء من النفحات البيانية التي تدخل في تركيب آيات القرآن الكريم وتفرض دلالاتها الحاكمة.
هذه الإشارات بعض من ملامح محاضرة ألقاها الدكتور سعيد فاندي السبت، وأدارها الدكتور محمد الأسود بمجمع اللغة العربية عن «التناسب الإيقاعي بين سور القرآن الكريم»، توقف خلالها عند بعض السور التي اختارها كنماذج لتوضيح محتوى ورقته.
وأشار إلى أنه عندما تقرأ سورة الشعراء على الرغم من وجود تطريب في حروف الياء والنون، لكن بالتأمل في الإيقاع تشعر أن هناك تتابعا وتسارعا والعكس في آخر السورة حيث يميل الإيقاع إلى البطء، وبانسجام القارئ مع معاني الآيات في خواتم السورة والتلاوة بالمدود الطويلة في الكلمات طول الجمل يلزمك ذلك إلى التمهل والتأني في القراءة كما في قوله تعالى «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون» فالبطء هنا سمة الإيقاع في هذه الآية، وليس كما هو حاصل في وسط السورة وأولها، ويعلل د. سعيد فاندي البطء في الإيقاع بأن بعدها سورة النمل وهي طويلة النفس.
العلاقة المعنوية بين السور
المحاضر لفت إلى بعض اللغويين القدامى والمحدثين الذين اشتغلوا على معاني القرآن منهم الإسكافي والرافعي وعبدالخالق عظيمة، وينتهي إلى عمر السلامي الذي يعتبره أفضل من كتب عن الإعجاز الفني في القرآن، لكنه لم يتكلم عن هذه الظاهرة أي التناسب بين أول سورة وآخر سورة لاحقة.
- للاطلاع على العدد «553» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويعلق الباحث بقوله: «لكنني وجدت إشارة للسيوطي، وشعرت خلالها أنني لم أبتدع شيئا جديدا، فالسيوطي في كتابه (تناسق الدُّرر) يشير إلى العلاقة المعنوية بين سورة الإخلاص والمسد معللا سبب تجاورهما بقوله .. ها هنا للوزان. (الإيقاع) في اللفظ بين فواصلها، حيث قدمت الفلق على الناس، وإن كانت أقصر منها بمناسبة مقطعها في الوزان كما نرى ذلك في سورة الإخلاص مع مقطع (ثبت) في المسد.
ويواصل الباحث: «عندما ننظر إلى سورة الفاتحة وسورة البقرة، نعثر على صلة معنوية بين نهاية الأولى وبداية الثانية، فذكر الصراط المستقيم سبيلا للمؤمنين وغاية دعائهم في السورة واختتامها بجزاء المنعم عليهم والاستعاذة من المغضوب عليهم من الضالين، هذا السياق يرتبط ببدايات سورة البقرة التي نستطلع منها الثناء على دليل المؤمنين والهداية على الطريق المستقيم بلفظ (ذلك الكتاب) أي أن الهداية مقرونة المعنى بكتاب الله، في المقابل يصاحب الارتباط المعنوي التوافق الإيقاعي بين آخر (الفاتحة) وبداية (البقرة).
هنا نلحظ أن نغمات سورة الفاتحة تحولت من النفس المتوسط في الآيات الستة الأولى إلى نغم تطريبي طويل في الآية السابعة الأخيرة التي حوت تسع كلمات مع مد ألف كلمة (الضالين) في حين لم تزد الآيات السابقة على أربع كلمات مع مد غير متكرر، وسبب ذلك ليناسب إيقاع الآيات التسع مع طول آيات مفتتح سورة البقرة وما فيه من ترنم بالياء والنون، وبذا يشعر القارئ أنه انتقل من الفاتحة إلى البقرة بشكل سلسل وغير مفاجئ، ولا فجوات من حيث انسجام الإيقاع.
الإيقاع وحفظ القرآن
ويشير المحاضر إلى من يتساءل عن الفائدة أو المغزى من البحث في الإيقاع القرآني ويجيب بقوله إن الإيقاع يساعد المتلقي على حفظ القرآن، لما فيه من انسجام في الألفاظ، فالحفظة غالبا ما يأخذون القرآن بالسماع، والسماع له صلة أكيدة بالإيقاع، لذلك نجد أعجمي لا يعرف العربية ومع ذلك يحفظ القرآن.
- للاطلاع على العدد «553» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وتأكيدا على التلازم المعنوي بين السورتين يشير الدكتور فاندي إلى أن سورة آل عمران مثلا تضمنت مقاصد حضارية تتعلق بالتدافع الفكري والجهادي بين المؤمنين والمشركين فيما تتضمن سورة النساء مبادئ الحقوق الاجتماعية والمالية، فختمت آل عمران بالدعوة إلى الصبر والمرابطة.
في المقابل استفتحت سورة النساء بالتكاثر البشري (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، وفي موازاة ذلك يتجلى أيضا التناغم الإيقاعي بين آخر سورة آل عمران ومفتتح سورة النساء حيث تتسع النغمة في الآية 199ثم تتوسط في الآية الأخيرة وتعاود الاتساع مرة أخرى في سورة النساء والآيات التابعة لها، وبذا تتواصل البنية الإيقاعية كذلك بين آخر سورة النساء وبدايات سورة المائدة.
تتدرج أيضا سورة المائدة من طول النغم إلى التوسط في الإيقاع، وهو ما يتناسب مع مفتتح سورة الأنعام التي يتواصل التناسب الإيقاعي بين أواخر آياتها وأول سورة الأعراف،وهكذا يمضي المحاضر في مقارناته بين سور (هود والتوبة وإبراهيم والرعد). موضحًا إضافة إلى ذلك الترابط في المعنى ومدللا على قوة حضوره في الأبعاد الفكرية في الآيات.
تعليقات