في كل أعمالها تحاول الفنانة التشكيلية شفاء سالم استنطاق النص المطموس أو لنقل المشوه من ذاكرة التاريخ الليبي ومحاولة إعادة بناء نسيجه فنياً وفق أبجديات الموروث والمصادر ومنطقيتها وكذا فلسفة الذائقة اللونية المستندة إلى طابع جداريات الأسلاف الموثقة في الجبال والكهوف والمعابد والقبور وما أنتجته المسارح والمدرجات المفتوحة إلى فيض متواصل من فسيفساء التلاقح بين مغامرات التجريب وشغف الخطوط وروح الحرف.
في هذا العرض نحاول تقديم صورة عامة لملامح الخارطة الإبداعية لشفاء سالم عبر عرض لكتيب رافق رحلتها في معرض «إثنوليبيا» الذي استقبله فضاء بيت إسكندر لمناسبة صدور رواية «موت الآنسة الكسندرين تين في ليبيا» لمحمد عبدالله الترهوني، وكتاب «مدارات الثعابين الليبية» للكاتب حمزة الفلاح، حيث تتجاور جداريات السرد واللون في تشابك فلسفي يبحث في بنية الأفكار والأحداث وتداعياتها بين الماضي والحاضر وكيف يمكن من خلالها رؤية بعض من طلائع ما هو قادم.
- للاطلاع على العدد «479» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
خطوة أولى لاستكشاف المخيلة
يخبرنا الكتاب أن معرض شفاء الأول كان في العام 2018 وهو بعنوان «ذكريات قاتمة»، حيث تؤكد في هذا المعرض الرصانة التركيبية المميزة لأسلوبها والسر العاطفي لاستكشاف المخيلة وقدرتها على الإشراق، وما ميز معرضها ذاك الطعم الأدبي لكل لوحة علقت على الجداران كما في لوحات «مشاعر مراقبة»، و«الفكرة في وضح النهار»، و«غريق على أرضية صلبة»، وفي النهاية فالفنانة تحاول جعل الفن تجربة مرئية وقابلة للنطق، لكنها أيضاً ستكشف أن الحالة الذهنية والأسئلة التي يطرحها الإنسان تفرض نوع التجربة التي يعيشها الفنان، والاختلاف الثقافي يخلق تناقضاً في التعامل مع التجربة الإبداعية، فأسئلة الإنسان في أوروبا ليست هي نفسها الأسئلة التي يطرحها إنسان من العالم الثالث.
في معرض شفاء الأول كانت منغمسة في الجمالية والعاطفة الانطباعية ثم اكتشفت مع الوقت أن المدارس الأوروبية لا تتشابك مع واقعها، وأن العمل الفني وفقا لهذه المدارس يخرج بالفنان عن سياقه الذي يعيش فيه بشكل يومي، ولهذا خرجت على الجميع بفن يكشف صعوبة الفصل بين حياة الفنان وبيئته وفنه.
هكذا عرفت الفنانة شفاء سالم أن الفنان يعيش في مكان ويستقر فيه، وأن التكيف مع مناظر ومواد هذا المكان هو ما يخلق هويته، هوية من يعيش في جبال الانديز تختلف عن هوية من يعيش في ألاسكا، وكذا هوية من يعيشون في السهول عن هوية من يعيشون في الجبال، وبذا فالهوية الليبية تختلف عن أي هوية أخرى وقد اكتسبت وجودها من الأرض والمعتقدات والفن البصري والموسيقى والطقوس، ومن هنا اتجهت شفاء للبحث عن موضوع التاريخ والذاكرة وتعلمت كيف تمتص الزمن وتعيد تكوينه على قماش بصورة مرئية.
- للاطلاع على العدد «479» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
من الرومانسي إلى الأنثروبولوجي
وينقلنا الكتاب إلى محطة ثانية مهمة في رحلة الفنانة شفاء سالم وتحديداً في العام 2021 عبر معرضها (أنا ليبيا)، حيث انتقلت شفاء من الخيال الرومانسي إلى الخيال الأنثروبولوجي، وكلا العامين الفن الحديث والأنثروبولوجيا يتخذان من الثقافة موضوعاً لهما، وسرديات ما بعد الحداثة تركز على الهامشي والمحلي والآخر، وهذا يعني أن خيال الفنانة الأنثروبولوجي يقع في قلب الحداثة وضمن الإطار المعروف لحساسية ما بعد الحداثة، وعلى أساس من هذه النظرة لا يمكن أن ننظر إلى لوحة «عائلة من التحنو»، أو أي لوحة من لوحات معرض «أنا ليبيا» إلا كأعمال فنية ما بعد حداثية، لأن هناك من لا يدرك أن صعود الأنثروبولوجيا بعد القانون في القرن التاسع عشر والعلم في القرن العشرين فتح الباب أمام الممارسة الفنية التفسيرية للأشياء في بعدها الجمالي والعاطفي، وكل لوحة من لوحات شفاء في معرضها الثاني هي سدية لديها استراتيجيات بلاغية خاصة بها، ففي لوحة «الطقوس الجنائزية في الأكاكوس» نرى بوضوح لحظة الموت وانفصال عضو عن المجتمع والانطلاق في رحلة إلى عالم آخر حيث لحظة الموت تمتلك كل الكثافة والسمة المقدسة.
ونجد في كل لوحة من لوحات هذا المعرض دراسة لطريقة اللباس، ونوع الجلد المستخدم، والمواد المستخدمة في الاكسسوارات، وأشكال الوشم وتسريحات الشعر الخاصة بالليبيين الأصلية، لكل تفصيلة من هذه التفاصيل دورها في فهم ثقافة الليبيين الأصلية وتقديم الروايات الاثنوغرافية الخاصة بها.
- للاطلاع على العدد «479» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
طائر من صخر وحقل متموج
في معرضها «إثنوليبيا» لا يبدو للناظر إليه مجرد معرض تشكيلي كما تصفه سطور الكتاب بل طائر من صخر يطير عبر الزمن، كما أن كل لوحة من لوحات شفاء تخبرنا بصوت مرتفع وواضح مثل صوت الرعد، أن خيالنا تغذيه نقوش وجداريات في كل مكان بليبيا، حيث تأتي الألوان في سرب خفي حاملة سحر السرديات الجديدة ونماذجها مثلا في لوحة (القبائل الليبية) بعيدة عن السردية المصرية في معبد سيتي الأول التي أعاد رسمها فنان إنجليزي في القرن الثامن عشر، وبخيال إنجليزي كرر القطعة المرسومة لتكون ما يسمى بلوحة القبائل الليبية وهذه سردية مغلوطة لأنها لا تجسد الليبيو والتمحو والمشواش، فأغلب العلماء والمؤرخين يؤكدون أن ما اشتهر به الليبيون هو غمد القضيب وذيل الحيوان والريش على الرأس، أيضا ما هو مؤكد أن النساء كن يستخدمن جلد الماعز في لباسهن والرجال يلبسون جلود الحيوانات المفترسة.
في لوحة الفنانة شفاء سالم نرى ليبيا كالفجر المتجول جالسة مثل نجم نهاري غريب قادم من عمق الصحراء، قوية وشامخة وتزينها الفضة بلحن حنون، تجلس بين أسدين من رخام وتمسك برمحها الذي يقف مثل موسيقى غاضبة وخلفها تاريخ ليبيا العظيم مجسدا في لوحات، وهي جزء من تاريخ حافل نرى جزءا منه في لوحة أخرى بعنوان (الصراع الليبي الإغريقي) وهي تمثل اللقاء بين شمال المتوسط «بلاد الأغريق» وجنوبه «ليبيا» حيث هرقل رمز الثقافة الإغريقية في صراعها مع الشعوب الأصلية في البلدان التي استعمرها الإغريق، والعملاق انتايوس ابن بوسيدون وغايا هو رمز الثقافة الليبية، كان انتايوس يستعيد قوته من خلال ملامسة أمه الأرض (غايا) وهذا ما جعله لا يقهر.
الكثير من الجمال والبهجة وإعادة البناء تخبرنا به شفاء في معرضها إثنوليبيا عبر لوحات (طقس التكريس، والحياة والموت، وأمازونات ليبيا) وفيض من التشكلات والرؤى الفلسفية لواقع التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية لليبيين في رحلتهم نحو الحضارة.
تعليقات