ولد الشاعر والكاتب حمزة الفلاح في العام 1991 في مدينة بنغازي، تحصل على درجة بكالوريوس في علم الاجتماع، في العام 2019 صدر له عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع في القاهرة ديوان «حارس المدينة المتعبة»، وفي العام 2021 صدر له ديوانه الثاني «ثلاث تأشيرات مرفوضة»، بدأ الكتابة السردية من خلال يوميات «البحث عن مفقود في غرفته»، جمع حمزة في كتابه هذا ما بين القصة القصيرة واليوميات، ثم نشر روايته الأولى «غاندي» وهي سيرة ذاتيه للشاعر الغنائي الليبي عبدالحميد الشاعري.
شارك حمزة في مشروع ثقافي هذا العام وهو «إثنوليبيا» الذي يجمع بين الفن والأدب، وصدر له كتاب «مدارات الثعابين الليبية»، وكان لـ«الوسط» لقاء معه.
متى بالتحديد شعرت بأن هناك دافعا داخليا للانتقال من كتابة الشعر والرواية إلى تسجيل التاريخ؟
كان كتاب اليوميات «بحث عن مفقود في غرفته» هو بدايات التحول إلى عالم السرد، فكل يومية كانت بمثابة مغامرة لمواجهة العزلة التي يعيشها الكاتب ما بعد انتهاء الحرب ورائحتها التي تلتصق بالكلمات المضادة لا للتحايل على الواقع بل بمواجهته بتناول تلك التفاصيل اليومية المزعجة التي تختطفنا، ومع هذه اليوميات كان هذا الاختطاف يقودني تدريجيًا إلى غاندي الرواية التي أعتبرها رحلة اكتشاف شاعر راحل وجدت في حياته الكثير من المشتركات الشخصية، وهو جدي عبدالحميد الشاعري صاحب قصيدة سافر ما زال.
كيف كانت مراحل كتابة مدارات الثعابين؟
لا شك أن لكل كتاب مراحلهُ على مستوى الكتابة والموضوع. كانت الثلاثة أعوام التي استغرقتها في القراءة المتواصلة والبحث كافية لإطلاق النار على كل ما قرأت لكتابة سردية تخصني دفاعًا عن ليبيا وتاريخها، ومع المدارات هذا الكتاب الذي أرهقني كان الأمر مختلفًا تمامًا، فأنا أعتبره نتيجة منطقية محسوبة لخروج هذا العمل تعاطفًا مع هذه الأرض، وما أحوجنا اليوم للتعاطف مع هذا البلد المهزوم، فمن يكتب شعريتهُ بصوت الهزيمة هو المنتصر الوحيد في معركتهِ.
خلال عملية البحث هل استوقفك لغز ما في التاريخ الليبي؟
هناك أكثر من لغز في التاريخ الليبي، أهم هذه الألغاز هو التاريخ الليبي نفسه، في كل كتب المؤرخين القدامى كانت ليبيا هناك يُنطق اسمها بلغة سحرية وأسطورية، ولكن مع الأسف عندما يكتبها المؤرخ الليبي تفقد هذا السحر ويجرى استبعاد شعرية الحلم القديم، وأمر آخر مهم وهو لماذا تقف ليبيا في كتب المؤرخين عندنا على حدود الحضارات الأخرى بينما كانت هي مفترق طريق مسارات الأساطير في هذه الحضارات؟ خلال البحث تعلمت كيف تخفي ليبيا ظلها الطويل بعيدًا عن العيون التي لا تلتقط سحر الحنين وتلتفت فقط إلى سيرة الكلمات المكتوبة بلا عناية وتفتقد حرارة الأرض.
-مشروع «إثنوليبيا».. سردية جديدة للتاريخ الليبي
-بالصور: معرض «إثنوليبيا» يجمع بين الأدب والفن في بنغازي
هل الليبيون كانوا جزءا من الحضارة الفرعونية فعلاً؟
نحن نتحدث هنا عن حجر زاوية، وليبيا بلد مؤسس وليست جزءًا، فكلمة جزء تشعرني بالغثيان، لهذا أنصح بقراءة كتاب «شعرية تاريخ ليبيا»، للناقد والكاتب محمد عبدالله الترهوني، هذا المشروع الذي أعتبرهُ الشرارة الأولى لنار البدائي القديم في كتاب المدارات.
إلى أي مدى تختلط الحضارات المختلفة مع تاريخ ليبيا؟
تقريبا لا يوجد كتاب من كتب المؤرخين في مجال الحضارات القديمة لا يتكلم عن ليبيا، وهذا لا يقف عند حضـارات المتوسط بـل يصـل إلى حضارة أمـيركا اللاتينية إذا أخذنا الشـواهد المتاحة فـي كتـاب أميركا ما قبل كولومبوس، ليبيا العالم القديم موجودة في ثنايا كل منعطف تاريخي في الحضارات الأخرى، ولم تعان من تجاهل المؤرخين لأنها جزء مهم من تاريخ هذا العالم.
هل من الممكن أن تتجه للبحث ويخطفك سحره وتكون مؤرخا في يومًا ما؟
إن تداخل التخصصات اليوم لا يقف حائلاً أمام الشاعر أو الروائي في أن يكون مؤرخًا، فالكاتب المُنفتح على عمق العلوم الإنسانية وضرورتها لبناء الفكر والتجديد ينسحب بقدرتهِ على التوليف إلى فضاءات غير تقليدية، فهذا الكاتب بطبيعتهِ مرن وانسيابي ويغضبهُ الجمود والعبارات الميّتة عن الموضوع الذي يشغلهُ. يمسك باللغة ليحطم قداستها في تصلب التخصص الواحد، وينثرها مثل الشامان القديم إلى تعويذةٍ شعريةٍ تسمح بكل ما هو غير قابل للتعبير الشعري إلى الامتزاج معها بخلق صوت يعبر إلى ما وراء حدود الكلمات.
إلى أي مدى ساهمت دراسة علم الاجتماع في كتابة التاريخ؟
كأي طالب جامعي كانت دراستي الأكاديمية بلا روح وانتقالي لهذا التخصص كان رغبة للفكاك من كلية الهندسة، كنت مندفعًا بأحلام الباحث في التقصي والتفسير والتحليل، ولكن كان الاصطدام بفوضى الإحصاء والبحوث الكمية أمرًا مؤسفًا ومخيبًا، إلا أنني وبعد التعمق في هذا التخصص برؤية كتاب آخرين بعيدين عن المذكرات الرديئة في الجامعة والتي كنا نتعاطاها كمرضى في مصحة عقلية للنجاة من رعب الرسوب؛ اكتشفت أن ليفي شتراوس كان يخبرني كل صباح، قبل الالتحاق بركب المعوزين إلى المحاضرة، أن العلوم الإنسانية علوم وجدت للترحال والقطيعة الصارخة مع ركود الفكر لا العكس.
هل ساهم أي قطاع ثقافي في ليبيا في مشروع إثنوليبيا؟
من المؤسف قول كلمة لا، ومن المؤسف أيضًا أن أعيد حديثي عن موت القطاعات والعمل الثقافي في ليبيا إثنوليبيا مجهود ذاتي لأفراد مصابين بهوس الكمال وبسيدة جميلة اسمها ليبيا يلاحقونها بحنين مثل نقطة مضيئة قريبة وبعيدة في آن واحد. الناقد محمد عبدالله الترهوني هذا الكاتب الذي أصابنا جميعًا بلوثة العطاء بلا مقابل، بمرض الحب دون انتظار النتائج أو المقابل أو استغلال العمل الثقافي لأغراض شخصية، وشفاء سالم هذهِ الفنانة التي شاركتني كل ما يمكنها وسخرت كل رؤاها الفنية لرسم لوحات كتاب المدارات بخيالها الخصب الذي كان يذكرنا في كل لحظات المشروع وعلى مدار سنوات بخصوبة هذهِ الأرض.
كم استغرق كتابة كتاب مدارات؟ ولماذا وضعت كلمة ثعابين في العنوان؟
استمر البحث في كتاب المدارات لثلاث سنوات واستغرق كتابةً تسعة أشهر، ومثلما أسلفت سابقًا كانت أشهر الكتابة المتواصلة بمثابة التحول ذهنيًا وفكريًا إلى العيش في صندوق ضيق والتعامل مع كل نص على حدة، فكل نص كان بمثابة قطعة فنية أرغب بشدة في صقلها إلى أبعد حدٍ وبشعرية تامة، فهذا الكتاب كُتب بتعاطفٍ كبير مع تاريخنا، ليبيا التي أرغب بأن أراها لا كما يفرضها علينا الواقع. أما عن الثعابين ودلالتها فهو كائن محوري في أغلب الأساطير الليبية، وإن أقل نظرة إلى كتاب لوسيان عن الحرب الأهلية الرومانية ستكشف لنا أن ليبيا كانت معروفة بأنها أرض الثعابين، وموطنها، وكلام هيرودوت الكثير في الكتاب الرابع عن ليبيا، والذي ذكر فيهِ أنها أرض الثعابين وموجودة فيها بكثرة، هذا غير أن إحدى القبائل في ليبيا اشتهرت بعلاقتها بالثعابين وهي قبيلة البسيلي، ولا ننسى أن ميدوزا الليبية هي إحدى عناصر الآلهة الليبية الثلاثية المقدسة التي ترمز إلى الثعبان تحديدًا، وهذه الرمزية كما نعرف جميعنا قد تغلغلت في كل أدبيات العالم حتى يومنا هذا.
إن أتيحت لك فرصة السفر عبر الزمن هل تقبل بعيش حياة الإنسان القديم؟
أحسد سكان الصحراء كثيرًا، وفي زيارتي الأخيرة ومشاركتي في مهرجان زلة عثرت هناك على الصمت الذي أبحث عنه، صمت الكتابة وتلك الحالة المدهشة من التأمل في الفضاء الواسع، أيضًا سكانها وأرواحهم الهادئة كالسحاب الذين لم تلوثهم جسارة المدن الوقحة كما لوثتنا، وعودة إلى فكرة السفر عبر الزمن فإن حياة البدائي القديم هي الحياة الحقيقية الوحيدة والصادقة، البدائي الأكثر إنسانيةً من إنسان عالم اليوم، هو الذي اخترع الناي والرسم واللون والعربة والطقوس وفكرة القداسة واحترام التراب، البدائي الأول الذي كان بعيدًا عن معاهدات السلام المزيفة ومواثيق الخداع، والقوانين المنحازة لموت الإنسان، فلمَ لا نفكر جميعنا بأن نهرول إلى كهوفنا في الصحراء ونمارس حياتهُ لنحتفظ بما تبقى من إنسانيتنا؟
تعليقات