اختلفت الآراء بين مؤيِّدٍ ومنتقِدٍ لأهميّة الجوائز الأدبية في ظل وفرة الإنتاج، وخصوصًا في الرواية، وفي غياب ملحوظ للنقد الذي كان يواكب حركة الإبداع الأدبي، وكأن فتح المجال واسعًا للمسابقات الأدبية يغني عن دور النقد وأهميته. وكانت عديد الأعمال الأدبية الفائزة قد تعرّضت لمشارط النقد ولم تنقذها لجان التحكيم من تجاوز ضعفها الفنّي ورداءة موضوعاتها، بل وانعدام قيمتها الأدبية من الأساس.
يقول الكاتب الكويتي «حسين المطوع» الحائز جائزة الشيخ زايد في أدب الطفل: «لا أحد ينكر وجود التلاعب والمحسوبيات والتوجيه أو عدم أهلية لجان التحكيم في بعض الجوائز العربية أو العالمية، بل وحتى جائزة نوبل لا تسلم من هذه التهمة. لكن هل هذا يعني أن الخلل في فكرة الجوائز ذاتها؟ إن كان الأمر كذلك فيجب علينا إلغاء كل شيء نفعله في الحياة، حرفيًا، فلا شيء يخلو من إمكان توظيفه أو ممارسته ممارسة سلبية».
وفي دفاعه الحيادي يعلّق «المطوع» على فكرة الجوائز وتأثيرها الإيجابي كطموح بشري منطقي وأخلاقي بقوله: «يبدو أنه مهما تقدّم الإنسان في العمر، ومهما كبر وعيه، تظل فكرة الحافز دافعًا أساسيًا محرِّكًا له، أيًا كان شكل هذا الحافز وقيمته، بدءًا من مكافأة لفظية أو مديح يتلقاه، وصولًا إلى مكافأة العالم الآخر متمثلة في الجنّة، وهو ما قامت عليه فكرة الترغيب في الأديان. وتطبيق هذه الفكرة في المجال الأدبي ليس بدعة مُحدَثة ولا أمرًا جديدًا، بل على العكس من ذلك، فطوال العقود الماضية أثبتت الجوائز نفسها كأحد المعايير المهمّة التي تُسهم في نهضة الأدب».
- سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز! (5)
- سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز! (4)
- سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز (3)
- سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز (2)
- سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز(1)
يُلاحَظ هنا أن أغلب من يدافع عن الجوائز هُم من الذين نالوها قسطًا ووفرًا في خلال سنواتٍ متتالية، فالعديد من كُتّاب الرواية مثلًا قد مرّوا بمعظم الجوائز العربية مرورًا غنائميًا، لكنّ تجربتهم الإبداعية ظلّت باهتة، خاصّة وقد تفحّصتها أعين القُرّاء قبل النقّاد، ما يؤكد على طبيعة هذه الممنوحات المجانية التي وإن نالت القيمة المالية فقد خسرت القيمة الأدبية وإن جازتها لجنة «الخمسة» ومؤسستها المالية.. ويبقى السؤال قائمًا في جدوى هذه الجوائز وانتشارها اللافت، وهي الظاهرة التي طغت على موضوعية النقد وأسهمت في تردّي مستويات الإبداع الأدبي، الشعري والقصصي والروائي، ولعلّنا نجزم أنها أصبحت الظاهرة الأسوأ في الحياة الثقافية التي دفعت إلى استسهال الكتابة الأدبية وأكسبت دور النشر المكاسب الربحية على حساب تجربة الإبداع الأدبي الجاد وقيمه الإنسانية، وقد كشفت المصادر عن تواطؤ بعض الكُتّاب ودور نشر مع لجان تحكيم في صفقات فوز مماثلة أدانتها الصحافة الثقافية كما أدانها النقّاد في تقييماتهم الموضوعية للعديد من الأعمال الفائزة. وبحسب الكاتب «حسين المطوع» الفائز بإحداها فإنه يرى: «أن معظم أصحاب هذه الآراء إما كتاب لم يفوزوا أو نقاد يعتقدون أن الجوائز الأدبية سحبت البساط من تحت أقدام النقد وصارت معيار القارئ في اختيار كتبه» ورأى بدل ذلك تسليط الضوء على فوائد الجوائز بشكل عام، والفوائد التي اكتسبها هو شخصيًا بعد فوزه بجائزة الشيخ زايد.
تسلية الفنون
في كتابه «اليد واللسان»، فصل «رفوف المكتبات (رأسمالية الثقافة)»، وفي تعليقه على جائزة «البوكر» العربية يقول الناقد السعودي الكبير «عبدالله الغذامي»: «البوكر جائزة سباق نحو رفوف المبيعات، أبطالها الناشرون والمؤلِّفون». وبحسب الكاتب المصري «شادي لويس بطرس» أن الغذامي يرى أن الجوائز الأدبية تندرج تحت مسمّى «تسليه الفنون» وتحويل الأدب إلى سلعة معيارها الرئيسي العرض والطلب، لتصبح القيمة التسويقية مُقدَّمة على القيمة الجمالية، والمفارقة هنا، يضيف شادي بطرس، أن السوق يتغلّب على المعايير الجمالية، فالسوق له معاييره الواضحة، بينما المعايير الجمالية تحتاج إلى نقد حقيقي يعبِّر عنها ويستخرجها، وهنا تتضخّم أزمة النقد في موسم الجوائز، فحتى لجان التحكيم المكوّنة من كِبار النقّاد غالبًا ما يلجأون إلى ذائقتهم الأدبية لاختيار النصوص، وهم بذلك يعترفون بأن آليات النقد الأدبي غير قادرة على تقديم أحكام قِيَميّة للنصوص المشاركة، وهذا يفسِّر غياب نقل الفضائيات لآلية عمل لجان التقييم ونقاشاتهم حول الأعمال المشاركة، فهذه النقاشات فيما لو نُشرت قد يكون لها أهمية في زيادة وعي المتلقي والقارئ بمواطن الجمال أو القبح في العمل الأدبي.. لكن يبدو أن مؤسّسات هذه الجوائز ومن وراءها، ولجان تحكيمها، يرون أن غياب إداراتها عن وسائل الإعلام، محمود، لتمرير النتائج دون الإفصاح عن آليات النقاش والتقييم والقبول، إضافة إلى اعتبار عمل لجان التحكيم «سرّية» وهو ما يؤكد عملية الانحياز والانتحال والاحتيال بنتائج المسابقة والفوز المؤكد بالعمل المشبوه. وهذه الظاهرة صارت تقليدًا أعمى، أن تخرج النتيجة فجأة للنور دون أن نعرف ما الذي كان يدور في الظلام؟!
سالم الهنداوي
تعليقات