Atwasat

أدب الجوائز! (1)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 25 يوليو 2024, 06:13 مساء

الجوائز الأدبية ..قضية شائكة بين «العالمية» و«المحلية» أو بين تلك الممنوحة اختيارًا علمياً وطوعا وبين الجائزة الممنوحة بنتيجة «مسابقة أدبية»، وإلى وقتٍ ليس بالبعيد لم يكن الأدباء يهتمّون بنيْل الجوائز وإن كانت حُلم البعض ممّن تُرجمت أعمالهم اختيارًا علميًّا ونقديًّا فنّيًّا لا دعمًا مدفوع الثمن كما يحدث للكثيرين، اليوم. فنجيب محفوظ مثلًا، الذي تصدُر باسمه حاليًا في مصر جائزة كبيرة للرواية، لم يكن يكتب لينال جائزة «نوبل» العالمية وقد تخطّته الكثير من الجوائز العربية وكذلك الأوروبية حتى بعد ترجمة أعماله إلى عديد اللغات.

BCD Ad BCD Ad

«نوبل» التي نالها «محفوظ» باختيار لجنة عالمية رأت أنه يستحقّها في ذلك العام دون غيره من أدباء العالم الأحياء منهم والأموات، وهنا علينا التقدير بين قيمة الجائزة الممنوحة اختيارًا، وقيمة الجائزة الممنوحة بنتيجة «مسابقة أدبية» كالتي تقيمها المدارس للطلبة لتشجيعهم على الكتابة والإبداع!

والإشكالية أن الجوائز الأدبية أصبح لها «سوقًا» رائجة وبرأس مال دعائي تديره دولة أو مؤسسة في دولة، بربحية معنوية توفّر لها الدعم المالي الكبير، موزّع بين القيمة المالية الممنوحة للفائز، إلى إعادة طباعة العمل بكمّية كبيرة والدعاية له وتسويقه، إلى تكاليف الترجمة إلى لغتيْن وأربع لُغات، وما يصحب ذلك من أعمال الدعاية والرعاية والمشاركة النموذجية في معارض الكِتاب بحفلات التوقيع..

والنتيجة، إيجاد رواج ثقافي إعلامي قد يوثر مستقبلًا في مستوى عطاء الكاتب وإبداعه، ولن يكون بالتالي في مصلحة العمل الأدبي ذاته الذي تجرّد من قيمته الإبداعية وتحوّل إلى سلعة بإعلان مجاني كأي منتوج غذائي تعرّف إليه المُستهلِك في سوق مفتوح فانصرف عن اقتنائه لعدم الجودة.

المستهلِك للغذاء في سوق الإعلان هو مثل المستهلِك للثقافة في سوق المعرفة، ومن حقّك أن تُعلِن عن بضاعتك وتروِّج لها من أجل تسويقها، لكنّك لا تستطيع فرضها على جمهور مُدرِك يعي قيمة المنتوج ويتذوّق الثقافة تمامًا كما يتذوّق الغذاء!

المؤسف أن تقوم مؤسسات كبيرة مدعومة بالمال وتنقصها الفكرة والمصداقية والشفافية، بأن تجري مسابقة أدبية على عشرة عناوين من الروايات بدافع التشجيع على الكتابة والإبداع، فتفوز رواية واحدة يُحتفى بها، فيما تحكُم على بقية العناوين الأخرى بالإعدام بمجرّد تصنيفها وإخراجها من القائمة الطويلة والقائمة القصيرة.. فالنتيجة الضمنية أن من فاز نال جائزته مالًا ومات إبداعًا بشهرة زائفة، ومن خسر الجائزة وكان عمله يستحق الفوز، خسر المال وخسر القارئ ودار النشر بالتشويش.

فالخروج من القائمتيْن كان يعني قصدًا الخروج من مكانة الإبداع ومن ساحة الثقافة بسبب مغامرة «مؤسسة» غير مسؤولة ثقافيًّا وغير معنية بالتصنيف الجاد، وغايتها فقط أن تربح معنويًّا في مجتمع «نبلاء» تظاهر إعلاميًّا في «حفلة فوز» لعمل لا يستحق ولا يهمُّها أن لا يستحق، وقتل أعمالًا أخرى كانت تستحق عن جدارة لكن حُمّى الجائزة أخسرتها قيمتها في السوق فور إعلان نتائج التشهير بمن فاز وكسب ماديًّا ومعنويًّا، والتشهير بمن خسر ونال الخيبة!

يقول الروائي الجزائري «واسيني الأعرج» إن أي كاتب عاقل لا يمكن له أن يفكِّر ويكتب من أجل الجائزة، مُعتبرًا أن «الجائزة فعل اعتراف يدل على أن المجهود المبذول له صدى ليس لدى القارئ العادي ولكن لدى القارئ المُختص».. من هنا تتجلّى قيمة الجائزة التي يجب أن تتحلّى بالشفافية، وأن تتحوّل بقيمتها إلى رمز صادق داعم للثقافة وليس وبالًا عليها.

إن الجوائز الأدبية المبنيّة على فكرة «المسابقة» كانت عبثًا ثقافيًّا تبنّته مؤسسات «مشبوهة» بنتائجها المسيئة للدين والأخلاق، وأخرى «غنيّة» بالمال والسُلطان تتسلّى بالثقافة غايتها الربحية المعنوية، وهي بذلك، وباعتمادها على عقول نفعية في إدارة الجائزة ولجانها، غير مُدركة لخطورة النتائج الثقافية المتوقّعة بإعلانها الكسب المالي على حساب الخسارة المعنوية، فقبول عشر روايات مثلًا لأدباء معروفين لجولة مسابقة عربية مدعومة إعلاميًّا، تعني أن يفوز أديبٌ واحدٌ بعمله الواحد، وأن يخسر البقية أعمالهم بتقدير لجنة تقييم محدودة العدد والكفاءة، مهما أوتيت من قدرة ومقدرة نقدية لا يحق لها التقييم والفصل نيابة عن القارئ الذي كان ينتظر هذا «التشويش» المتعمّد ولم يكن بمقدوره التدخُّل لحسم الموقف بالاختيار الأمثل.. ثم إن اللجان وما أدراك ما اللجان، كانت تعنيها في مثل هذه الظروف توصيات مالك الجائزة وحواشيه، ومن دور نشر ارتزاقية راهنت على حالة الإحباط المجتمعي وتدنّي المستوى الثقافي وكساد السوق وركود صناعة الكِتاب، فدفعت بهذا الفوز المشبوه لصالح التسويق لعمل «رديء» بالأساس، وموجّه ضد قيم أخلاقية أو دينية، وانخرطت بالتالي في موجة الدعاية والترويج للجائزة والفوز معها مستفيدة من إعادة طباعة العمل بنجمات الفوز وتحصيل عائداتها على حساب الأمانة الثقافية!

ويشكّك الروائي اللبناني «حسن داوود» في صدقية هذه الجوائز التي تُمنح في العالم العربي على عكس الجوائز العالمية، لاسيما أن هناك مآخذ كثيرة على لجان التحكيم العربية من بينها المجاملة والعلاقات الشخصية بعكس لجان تحكيم العالمية، إضافة إلى اختلاف المعايير بينهما، فهناك معايير دقيقة بالنسبة إلى لجان التحكيم في الجوائز العالمية لا نجدها في تقييم الأعمال الأدبية المُقدَّمة للجوائز العربية، كما أن الترشيحات التي تتمُّ عبر دور النشر أو غيرها تطرح الكثير من التساؤلات؟!

حتى عندما يتحوّل الفكر والأدب إلى مسابقات نجومية كمسابقات الأغاني في برنامج «عرب آيدول» على قناة «mbc» بتقديم لجنة من الفنّانين المعروفين، فإن الفصل فيها يكون للجمهور، المستهدف بهذه الأعمال الفنّية، وليس لأحد من أعضاء اللجنة المتمحور دورهم فقط في التقييم والتوجيه والإرشاد بتحديد مواضع الضعف والجمال في عمل المتسابق وجودة الأداء بتقدير الجمهور، وهذا النهج المنطقي غاب عن جوائز «الأدب العربي» رغم ارتباطه بالفكر المؤسَّس أخلاقيًّا على جوهر الأمانة الثقافية.

سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
مهرجان الصيف الرابع في هون: «تراثنا هويتنا»
مهرجان الصيف الرابع في هون: «تراثنا هويتنا»
مروة مصباح المنصوري.. فنانة ليبية حولت المحنة إلى رحلة إبداع وتمكين للمواهب
مروة مصباح المنصوري.. فنانة ليبية حولت المحنة إلى رحلة إبداع ...
الفنان محمد بن إسماعيل ينضم إلى فرقة أجيال للمسرح والفنون بدرنة
الفنان محمد بن إسماعيل ينضم إلى فرقة أجيال للمسرح والفنون بدرنة
«يونسكو»: الحاجز المرجاني في أستراليا يفلت من قائمة التراث العالمي المهدَّد
«يونسكو»: الحاجز المرجاني في أستراليا يفلت من قائمة التراث ...
«ستارة» تعلن استقلالها عن «الهيئة العامة للمسرح والفنون».. وتواصل نشاطها عبر شركة خاصة
«ستارة» تعلن استقلالها عن «الهيئة العامة للمسرح والفنون».. وتواصل...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم