Atwasat

أدب الجوائز! (5)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 22 أغسطس 2024, 03:16 مساء

أصبحت الجوائز الأدبية من التقاليد العالمية الرائجة في مجتمعات النخبة والعامّة، وبرعاية حكومات ومؤسسات ثقافية مستقلّة، وأكاديميّات علمية ورجال أعمال ومال، لكن تبقى جوائز الدول هي الأكثر رعاية ورسوخاً وتوثيقاً رسمياً عن بقية الجوائز الأخرى، لاعتبارات كثيرة، أهمُّها سياسية، كما في البلاد العربية!

BCD Ad BCD Ad

في سورية، مثلاً، لا وجود لجوائز أدبية مستقلّة أو أهلية كثيرة، حيث تظهر بين وقت وآخر مسابقات ثقافية، وجوائز تُعلِن عنها وزارة الثقافة، وتكون متعلّقة برموز الثقافة السورية المكرّسة، مثل «جائزة محمد الماغوط للشعر»، التي كانت أعطيت عام 2004 مناصفة للشاعرتيْن «جولان حاجي» و«هنادي زرقة»، و«جائزة حنّا مينا للرواية والقصة القصيرة» التي شهدت موقفاً طريفاً في وقتها، حيث مُنحت الجائزة الثانية للروائية السورية الشابة «روزا ياسين حسن» عن روايتها «أبنوس»، وقُدِّم لها مبلغ من المال، وطُبعت روايتها على حساب وزارة الثقافة. لكن المفاجأة أن الكاتبة اكتشفت حين تصفّحت كتابها أن العمل المنشور ليس عملها تماماً، وأن مقصّ الرقيب تدخّل وحرّف الرواية وعدّل فيها، وجعلها «صالحة» للنشر ضمن منشورات وزارة الثقافة. وقد كتبت صحف عدة عن المشكلة، لكن شيئاً لم يتغيّر. وأوردت الصحفية «فاطمة حوحو»، في تحقيقها الثقافي، أن رئيس دائرة التأليف والترجمة عضو اللجنة المانحة الجائزة علّق في لقاء منشور أجري معه: «كتّر خير الله أني وافقت على منحها الجائزة»!

أمّا في الأردن فلم تُخصَّص أي جوائز ثقافية رسمية باستثناء «جائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع»، التي يمنحها مرة كل سنتين مكتب جائزة الملك عبدالله، التابع لمركز الحسين الثقافي، في أحد مجالات الخلق الإبداعي. ومن أبرز الجوائز الأردنية جائزة «عرار للإبداع الأدبي»، وجائزة «محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة»، وجائزة «منيف الرزّاز للدراسات والفكر»، وجائزة «غالب هلسا»، وجائزة «عبد الرحيم عمر» لأفضل ديوان شعر، وجائزة «خليل السكاكيني لأدب الطفل»، وجائزة «عيسى الناعوري للنقد الأدبي»، وجائزة «تيسير سبّول للرواية» التي فاز بها: عبدالرحمن منيف ومؤنس الرزّاز وإبراهيم نصرالله وفاروق وادي وزياد قاسم. 

سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز! (4)
سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز (3)
سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز (2)
سالم الهنداوي يكتب: أدب الجوائز(1)

وفي دولة الإمارات العربية المتّحدة تشكِّل الجوائز الأدبية حالة فريدة من نوعها في الوطن العربي، إذ راكمت «جائزة سلطان العويس»، وهي أهم جائزة أدبية إماراتية تمنحها مؤسسة غير حكومية، حضوراً مُكرّساً للعديد من الأسماء الأدبية، تتويجاً لعطائهم الأدبي والثقافي، ويكفي أن نذكر أسماء بعض الذين فازوا بهذه الجائزة، ومنهم: محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وقاسم حدّاد وفؤاد التكرلي وعلوية صبح وصنع الله إبراهيم، فضلا عن عددٍ كبير من النقاد والشعراء وكتّاب القصة والرواية. واعتُبرت جائزة العويس على الدوام جائزة عربية من العيار الثقيل. وفي الإمارات أيضاً «جائزة الشارقة للإبداع»، وجائزة أخرى أطلقها في أبوظبي الشاعر محمد السويدي ضمن مشروع «ارتياد الآفاق»، واسمها «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات»، ويرعاها المجمع الثقافي في أبوظبي. 

أمّا في عُمان فلا توجد جوائز أدبية تليق بمكانة السلطنة ورصيدها الحضاري والثقافي عبر التاريخ، لا من الدولة ولا من المؤثّرين. وعلى الرغم من أن جائزة أدبية باسم شاعر كلاسيكي كبير كأبي مسلم البهلاني (1860-1920)، الذي عاش منفياً في «زنجبار»، يمكن أن تكون التفاتة في محلها، فإن وزارة الإعلام كانت قد منعت إعادة طبع ديوانه، الذي صدر في القاهرة ودمشق منتصف القرن الماضي. أما وزارة التراث والثقافة فلم تُقدِم على خطوة صحيحة سوى محافظتها على مهرجان أدبي محلّي يستقطب الشباب من كُتّاب الشعر والقصة، للفوز بجوائز قيمتها المالية قليلة. 

أمّا تاريخ الجوائز في المغرب فهو عريق، ويعود بحسب تقدير الصحفية «حوحو» إلى عام 1925، حين قرّرت سلطات الحماية الفرنسية في المغرب إنشاء جائزة أدبية، أطلقت عليها اسم «الجائزة الأدبية الكُبرى للمغرب»، وهذه الجائزة ظلّت سنوات طويلة وقفاً على الفرنسيين. لكن القاعدة كُسرت للمرة الأولى عام 1949 حين تمكّن مغربي من الفوز بها، وهو الأديب الراحل «أحمد الصفريوي»، أحد الرواد الأوائل لما أصبح يسمى اليوم «الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية». وبعد رحيل الفرنسيين ألغيت هذه الجائزة. وفي العام 1974 صدر قرار عن وزير الثقافة قضى بإنشاء أول جائزة وطنية، وهي «جائزة المغرب للكِتاب» التي تُمنح في حقول مختلفة، وقد رفضها الكاتب القصصي «أحمد بوزفور» عام 2004 في بيان لاذع يدين سياسة الحكومة الثقافية. 

ومن بين الجوائز الأدبية المعروفة أيضاً في المغرب «جائزة الأطلس الكبير»، التي تأسّست عام 1991 بمبادرة من السفارة الفرنسية في المغرب، ومن الفائزين بها «عبد اللطيف اللعبي» و«إدريس الشرايبي» و«عبد الفتاح كيليطو» وغيرهم. وظهرت في السنوات الأخيرة جوائز ترعاها مؤسسات مستقلّة تهتم بالحقل الثقافي، منها مثلاً تلك التي يمنحها «منتدى أصيلة»، الذي يقام في صيف كل عام، ومنها «جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي» و«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، اللتان تمنحان مرّة كل ثلاث سنوات، و«جائزة محمد زفزاف للرواية العربية» التي تخصّص للروائيين العرب الذين أسهموا في تحديث الرواية العربية. ولا بد هنا من ذكر «جائزة الأركانة العالمية للشعر»، التي تأسّست عام 2002 على يد «بيت الشعر»، وفاز بها للمرة الأولى الشاعر الصيني المقيم في أميركا «بيي داو»، والشاعر المغربي «محمد السرغيني».

أدب الجوائز في ليبيا
وفي ليبيا كان الأمر مختلفاً ولافتاً، فجائزة الدولة التشجيعية والتقديرية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي خرجت عن ضوابطها، ومُنحت تحت تأثير المجاملة والعلاقات، حيث كانت «جائزة الفاتح» عنواناً كبيراً للولوج العام الذي أفقدها قيمتها المعنوية بقدر قيمتها المالية ومزاياها التي جعلت العديد من الكُتّاب والفنّانين «يشحذونها» على باب وزارة الثقافة في عهدي الوزيريْن المثقّفيْن: الكاتبة «فوزية شلابي» والشاعر «نوري الحميدي»، ومن أعضاء اللجنة المشرفة التي فقدت السيطرة على الضوابط، وجعلت باب القبول مفتوحاً لمن يريد احتفاءً بـ«الفاتح» اسم الجائزة. 

ومن اللافت أيضاً نيلها من قِبل عدد من سجناء الرأي السابقين، في قبول مريح، بينما اعتذر عن قبولها بعض المعتدلين. وقد تجاوز عدد الفائزين بها في دورة واحدة زهاء الخمسين اسماً في مختلف مجالات الأدب والفكر والفن، في خلطة ارتجالية سرعان ما تلاشت في زحام التهليل الإعلامي.

وإلى جوار «جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان»، البالغ قيمتها ربع مليون دولار، التي مُنحت لعددٍ من كِبار السياسيين والثوريين في العالم، مثل «نيلسون مانديلا» و«هوجو شافيز» و«لويس فرخان» و«مهاتير محمد»، كانت توجد «جائزة القذافي العالمية للآداب» بقيمتها البالغة 200 ألف دولار، وقد مُنحت لمرة واحدة يتيمة عام 2009 للناقد الأدبي المصري الدكتور «جابر عصفور» في حفلٍ عالمي كبير بطرابلس، ووسط انتقادات محلّية وعربية عن الموقف الثقافي، وقيمة الجائزة، وقبول «عصفور» لها بعد رفضها من قِبل المفكِّر المغربي «محمد عابد الجابري»، والروائي الإسباني «خوان غويتسولو». 

وبعد الإطاحة بنظام القذافي، تبرأ عصفور من الجائزة، لكنّه رفض إرجاع القيمة التي اعتبرها منحة من الشعب الليبي له. ففي تصريح إلى صحيفة «اليوم السابع» المصرية بتاريخ الأول من شهر مارس 2011، قال جابر عصفور: «أنا تنازلت معنوياً فقط عن اسم الجائزة، وتبرأت منه. أما القيمة المادية للجائزة فأعطاها لي الشعب الليبى، وهذا هو أصل موقفي، وعندما قبلتها قلت إننى لا أقبلها لاسم الجائزة، وإنما لأن لجنة التحكيم التى تمنحها تتكوّن من شخصيّات مُحترمة، عربية ودولية، وتمثِّل العالم العربى والغربى، لذلك قبِلت الجائزة»!

سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
معرض في كازاخستان يحيي عبقرية ليوناردو دا فينشي باختراعات تفاعلية
معرض في كازاخستان يحيي عبقرية ليوناردو دا فينشي باختراعات تفاعلية
وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن 88 عاما
وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن 88 عاما
عن الرسام (هنري لوتروك) وملصق الـ «مولان روج».
عن الرسام (هنري لوتروك) وملصق الـ «مولان روج».
النيابة العامة الفرنسية تطلب سجن ستة جورجيين في قضية سرقة كتب ثمينة
النيابة العامة الفرنسية تطلب سجن ستة جورجيين في قضية سرقة كتب ...
ترميم لوحات جدارية تجسد حياة القديس فرنسيس الأسيزي في إحدى كنائس فلورنسا
ترميم لوحات جدارية تجسد حياة القديس فرنسيس الأسيزي في إحدى كنائس ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم