Atwasat

16- من أدبيات رسائل الفاخري

القاهرة - بوابة الوسط: محمد عقيلة العمامي الثلاثاء 05 أكتوبر 2021, 04:24 مساء

16-  من أدبيات رسائل الفاخري

BCD Ad BCD Ad

ويختتم الراحل العزيز الأستاذ محمد حسين القزيري رسالة تهنئته لصديقه «جنقي» بمناسبة زواجه، قائلاً: «وأخيرًا يا خليفة الله في أرض الدنمارك، إن كل الأصول والتقاليد، وقواعد القانون الدولي أيضًا، تحتم عليّ الآن أن أبارك زواجك الميمون وأرجو لك الرفاة والبنين.. إلى آخره. غير أنني سأخرق العرف الدبلوماسي هذه المرة - على غير عادتي - لكن أقول لك قبل كل شيء آخر: «إن الأمر لم يعد يتوقف على أية تمنيات طيبة من الغير؛ بل إن المسافة تكاد تكون كلها بيدك أنت وحدك. أعني أنك الآن تملك مفتاحي الجنة كليهما بيدك أنت وحدك، أعني أنك تملك مفتاحي الجنة والجحيم، وعليك ألاّ تخلط بينهما».

الظروف الصعبة لم تثنه عن المحافظة على قداسة الزواج

والحقيقية أن «جنقي» لم يخلط بينهما، أبدًا وظل، على الرغم من الظروف الصعبة، التي مر بها وأسرته الزوج المثالي، والأب الحنون، ورب العائلة المتفاني في رعايتها. لم تثنه عن المحافظة على قداسة الزواج، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى، على الرغم من الظروف القاسية التي مر بها من بعد عودته إلى ليبيا؛ لقد رفضت بعض عناصر أمانة الخارجية، التي ادعت ثوريتها تنفيذ قرار نقله إلى أفريقيا، فأبقته سنتين في الفندق الكبيرمع أسرته. وسهلوا له السبُل إلى العودة إلي بنغازي، وبسبب سوء التقدير والمعاملة التي لم تكن تليق به، من الذين تولوا تنفيذ ما خططت له لجان الخارجية في ذلك الوقت. اختار التقاعد المبكر وتمت الموافقة سريعًا، وكأنهم كانوا ينتظرون نفاد صبره.

كان مثالًا لرب الأسرة الذي يعي جيدًا أهمية ارتباطها بأهاليها وجيرانها 

وبدأت مرحلة صعبة في حياته، لعل حرمانه من مسكن خاص كان الأكثر قسوة عليه، ولكن ما أن استقر في بيت، مثلما وضحنا سابقًا حتى استطاع أن يجعل منه بيتًا سعيدًا لعائلته، خلال ظروف صعبة ولكنه تغلب عليها، بل وكان عبر الظروف الصعبة مثالاً لرب الأسرة الذي يعي جيدًا أهمية ارتباطها بأهاليها وجيرانها وأصدقائها، فجعله واجبًا يصل حد الكمال، فلا أذكر أبدا أنه تخلف يوم عيد واحد على المرور على ذويه، وأصدقائه يطوف عليهم  جميعًا، وأذكر أنني ذات عيد نبهت على أطفالي، أن يصحوا مبكرًا، لأننا سنسبقه هذا العيد، فهو أكبرنا وسباق دائمًا بالمعيادة، وينبغي أن نسبقه، وبالفعل صحونا مبكرًا، وما أن فتحتا بابنا حتى وجدناه أمامه ضاحكًا كالعادة، وقال: «جاءني إحساس أنك تريد أن تغلب جنقي، وتسبقني ولذلك قلت لأطفالي الفجر تكونوا جاهزين !! » كل رفاقه يعرفون هذه العادة التي ما انفك عنها أبدًا.

 ولقد تمكن أصدقاؤه من مساندته في محنته، ونجحوا بالفعل في إيجاد الثغرة، التي لا يرفضها أبدًا، أولًا لأنها مكنته من ممارسة الكتابة كـ(مهنة) وذلك من خلال مراجعة النصوص  وتصحيحها لغويًا، وهكذا استمر  يمارس مهنة أحبها، وظل لسنوات مثلما يقول ساخرًا: «أعيش على أخطاء الآخرين» ! لم يبخل عليه رؤساء تحرير الصحف والمجلات بتكليفه بتصحيح نصوصهم اللغوية، والحق يقال إن الأستاذ محمد حسن البرغثي قدم له العون كله له أثناء توليه رئاسة تحرير مجلة الثقافة العربية، وجعله المصحح اللغوي لها، وإن كان كثيرًا ما تكون له لمسات في مواضيعها وإخراجها، وأيضًا كان للأستاذ محمد علي الشويهدي موقف شجاع من بعد أن تولى رئاسة تحرير المجلة نفسها، وفرضه مصححًا ومدققًا على الرغم من اعتراض بعض المتسلقين. ولم يبخل الأستاذ فيصل فخري السنوسي عندما كان مسؤولًا عن صحيفة أخبار بنغازي، ولا المهندس امبارك الشريف، ولا السيد جمال عبدالمالك، وأيضًا الدكتور زياد علي الذي جعل صحيفة الدعوة الإسلامية في نسختها الإنجليزية تترجم بعضًا من مقالاته، ليتحقق له دخل ثابت، كثيرون هم الرجال والأصدقاء الذين وقفوا مع «جنقي» في محنته، على الرغم من علو أصوات تهمز وتلمز أنه رافض للنظام الجماهيري. مواقف أصدقائه معه كانت مثالية، مفتاح الدغيلي، محمد كانون، الدكتور عمر العفاس، سالم الكبتي. كثيرون كانوا بالفعل كإخوته ونيس ومصطفى والحاج رمضان، وابن أخيه علي بن زبلح وبقيتهم وبقية أخواله. كان باختصار شديد صديق وقريب ورفيق لكل من عرفه في مدن ليبيا كافة. وهذا ما وقفت عليه أثناء عزائه.

رائعته «النوارس» أبرزها

في تلك الفترة كتب في تقديري أفضل ما لديه، لعل رائعته «النوارس» أبرزها، وإن كان لحكاية «ثعبان الليل» رمزية خطيرة ومرثيته الرائعة «عناء الكلمات» لصديقه صادق النيهوم، و«منابت الريح» التي كتب آخر كلماتها قبل أيام من رحيلة، تفاصيل هذه الكتابات أوردتها بكتابي عنه «منابت الريح».

سنوات وتفاقمت محنته بإصابه أحد أطفاله بالتوحد، وعانى الكثير وطرق والأبواب كافة، وتمكن شقيقه الدكتور مصطفى الفاخري من إيجاد وسيلة لعلاج ابنه في القاهرة. وخلال تلك الفترة، بسبب طبيعة عملي وكثرة سفري إلى القاهرة، ناهيك عن مسائل علاجية، أكاد أن أقول إنني ظللت معه طوال تلك الفترة التي استمرت قرابة عام. وتابعت خلالها معاناته اليومية وانتصاراته وقناعته بأنه رجل الموقف والشدائد، ولم تخلُ شقته خلال تلك الفترة من الأصدقاء والزوار. وكان خلال ذلك رجل الميعاد، والبهجة والفرحة والكرم. وخُيل لي أنه انتصر على خيبات، وتجاهل الدولة له وإبعاده وهو الذي أثبت مقدرة فائقة في كل ما كلف به أثناء عمله في كوبنهاغن.

في واحدة من رحلات عودتي إلى بنغازي، كنت أراقبه لأيام يكتب بعناء مطلق، كنا نعرف كيف أنه يغيب تمامًا وهو يكتب، إذ يبتعد عنا في ركن قصي، ونغفل عنه، وسريعًا ما نراه يتصبب عرقًا، غائبًا نمامًا، مأخوذا بما يكتب، وما أن يتوقف وينضم إلينا حتى يعود «جنقي» بالبهجة والشعر والأدب والموسيقى. ظل ليالي على هذا الحال، وصباح يوم سفري، سلمني وريقات في ظرف مفتوح، وطلب مني أن أُسلم هذه الرسالة إلى شقيقه مصطفى، وأخبرني أنني أستطيع قراءتها، ولكن ليس في حضوره.

تأثرت حد الكآبة، فالرسالة بليغة، وحزينة ومرعبة

في مطار القاهرة قرأت الرسالة، وأشهد الله أنني تأثرت حد الكآبة، فالرسالة بليغة، وحزينة ومرعبة، فنحن معا طوال الوقت، حتى أننا كنا نتناوب على رعاية ابنه ( ميدو) الذي كان يتحرك بيننا ببهجة وبراءة، ولكننا لم ننتبه إلى معاناته النفسية وهي أنه يرى أن ابنه قد لا يشفى تماما، وفوق ذلك الرعب الذي تسلط عليه أن يرحل ويتركه. الرسالة قرأتها مرات، واتصلت به من المطار وأخبرته، أنني سوف أنشرها، ولا داع أن أسمع منه الرفض لأنها على الرغم من الحزن الذي تحمله فإنها تحفة أدبية لا ينبغي ألاّ تنشر. ولم أسمع رأيه ولم أنتظره، بل اتصلت على الفور بالأستاذ حسن الهوني، كان حينها رئيسا لتحرير جريدة العرب، وحدثته عنها وأرسلتها له فنشرت قبل أن يطلع عليها أخونا الدكتور مصطفى الفاخري، ثم تكرر نشرها في عدد من الجرائد والمواقع الوليدة في ذلك الوقت. سوف ننشر الرسالة في الحلقة المقبلة، ونلحقها بعدد من رسائل كتبها في ذلك الوقت لبعض من أصدقائه، وسوف نرى كيف كان يتألم، على الرغم من البهجة التي يعي رفاقه حجمها وروعتها، لدرجة أننا ما انتبهنا بمعاناته أبدًا.  وكان هناك غيرها من رسائل ولكن للأسف هذا ما وجدته في إرثه.

 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
براءة الفنانة جيهان الشماشرجي من تهمة السرقة بالإكراه
براءة الفنانة جيهان الشماشرجي من تهمة السرقة بالإكراه
وزارة السياحة والآثار تواصل مساعيها لإنشاء المتحف الإقليمي بمدينة شحات
وزارة السياحة والآثار تواصل مساعيها لإنشاء المتحف الإقليمي بمدينة...
«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي» يعلن استئناف مسابقة التأليف المسرحي «جائزة عبدالعزيز الزني»
«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي» يعلن استئناف مسابقة التأليف المسرحي...
«عاشوراء يا حبيّب».. أمسية تراثية تستحضر عادات عاشوراء في المدينة القديمة
«عاشوراء يا حبيّب».. أمسية تراثية تستحضر عادات عاشوراء في المدينة...
علاء الدين بن عز الدين يوقع «فرسان إشبيلية».. رواية تستحضر النضال والهوية والحلم المغاربي
علاء الدين بن عز الدين يوقع «فرسان إشبيلية».. رواية تستحضر النضال...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم