Atwasat

موت الرئيس في دالاس (1)

سالم الكبتي 3 أيام
سالم الكبتي

بعد عام من الآن.. في نوفمبر القادم ستمر ستون عاما على اغتيال الرئيس الإمريكي جون كيندي. ومن يومها لم تصل لجان التحقيق التي شكلت حول الحادث إلى معرفة الجناة ومن وراءهم بالضبط والدوافع التي قادتهم إلى التنفيذ في عز الظهر ذلك اليوم.. الخميس الثاني والعشرين من نوفمبر 1963.

لقد وقع ذلك الحادث لرئيس أكبر دولة في العالم قبالة الجميع في دالاس إحدى مدن ولاية تكساس في الجنوب الإمريكي البعيد عن العاصمة واشنطن. انطلقت الرصاصات القاتلة باتجاه رأس الرئيس من مخزن للكتب المدرسية في بناية سيعبر أمامها الموكب الرئاسي.

كانت الخطة قد نفذت بإحكام وكان الرئيس وصل إلى دالاس للقيام برحلة يعتزم خلالها تقديم نفسه مرشحا لرئاسة قادمة تبدأ في العام التالي 1964 ضمن حملة انتخابية ضد مرشح آخر هو باري جولدووتر.

كان المحللون السياسيون يعتبرونه على الدوام من المتعصبين اليمنيين إلى حد التطرف تلك الأيام وكان من المنتظر أيضا أن يلقي الرئيس خطبا في عدة أماكن ويعقد مؤتمرات صحفية ويلتقي بجموع الناس في المدينة ويؤدي بعض الزيارات لأهم المرافق. كان أيضا يصطحب زوجته جاكلين ونائبه ليندون جونسون وحاكم الولاية وآخرين وحراسه. 

لعل كيندي نفسه ودون أن يشعر ظل في فترة سابقة يستشرف أطياف ما سيحدث له منذ أن كان سيناتورا في مجلس الشيوخ. فلقد صرح قائلا ذات مرة: «إذا أراد أي شخص منا أن يقتل رئيسا فلن يكون الأمر بالغ الصعوبة.. ضع رجلا فوق مبنى مرتفع وزوده ببندقية تليسكوبية وعندئذ لن يستطيع أحد أن يفعل شيئا للذود عن حياة الرئيس!».

وهذا ماحدث بالفعل للرئيس. وإذا كان في كل الأحوال لا مفر من عبور طريق الموت إذا اقترب من أي إنسان في لحظاته النهائية فإن ذلك يعني بالمقابل أن الكل سيموت بمن فيهم الروؤساء الكبار والمهيبي السرعة وكل المخلوقات الصغيرة التي تدب فوق الأرض. لا أحد يمنع الموت. 

ظل كيندي منذ ترشحه وفوزه بالرئاسة عام 1960 يعتبر أصغر روؤساء الولايات المتحدة.

كان يحمل الرقم الخامس والثلاثين في قائمة أولئك الروؤساء الذين تنوعوا واختلفوا.. رجال اقتصاد وأعمال وأساتذة وقادة حرب ورجال مخابرات. لكنه ظل الكاثوليكي الوحيد العائدة أصوله إلى إيرلندا وأكثرهم وسامة وجاذبية. وكان، باختصار، مع استمرار الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية يمثل جيلا آخر يختلف.

ففي خطاب التنصيب الذي ألقاه، وهو أول خطاب رسمي له، إلى الشعب الإمريكي والعالم يوم العشرين من يناير 1961 قال بوضوح: «لتذهب الكلمة الآن ومن هذا المكان إلى الصديق والعدو على السواء بأن الشعلة قد انتقلت إلى جيل جديد من الإمريكيين ولد في هذا القرن العشرين ونضج على نيران القتال وقاسى عواصف الحرب الباردة ومرارة القلق على مستقبل السلام».

كان كيندي واحدا من هؤلاء.. من هذا الجيل القادم من الرماد والصراع والحروب والدم والأزمات والجوع وكل شيء. فقد عاصر مثل غيره تجربة الحرب الكريهة واكتوى بنارها ونزف من دمه الكثير إثر إصابة زورقه بطوربيد ياباني وسط أمواج المحيط الهائل..

وظل وحيدا يصارع المجهول ولم يكن يدري أنه سيصل إلى قيادة العالم. وتبعا لهذه الكاريزما وخلال فترة رئاسته لأمريكا بين العامين 1961-1963 استطاع أن يثير اهتمام العديد من أبناء شعبه والعالم أيضا بنشاطاته وتحركاته ومبادراته التي كان بعضها فألا غير حسن لشخصه على الإطلاق وربما كانت وراء أطياف اغتياله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. لقاءاته بديجول وخرتشوف ووضع حد لانتشار الأسلحة النووية وأزمة الصواريخ في كوبا والدفاع عن الحقوق المدنية للسود ومواجهة المتهربين الكبار من أصحاب الملايين من دفع الضرائب.

انطلاق أول رجل فضاء أمريكي واهتمامه بالآداب والفنون والموسيقى ومساندته للاستقلال في الجزائر أيام كان سيناتورا عام 1957 ونشاط شقيقه روبرت كيندي... ومارلين مونرو!. لكن في المجمل تبقى اللعبة الخفية غامضة في الدوافع التي قادت للقتل في وضح النهار. رغم أن الكثيرين يرون في آل كيندي ظاهرة أمريكية متعددة المواهب والجوانب ولا تهدأ عن البحث والمعرفة وصولا إلى ماوراء الأمور.

يروي الكاتب الصديق سمير عطا لله في ملف أعده لصحيفة النهار في بيروت في يناير 1969 عن مذكرات روبرت كيندي حول أزمة كوبا التي كادت تشعل حربا في العالم.. يروي أنه: «ثمة دبلوماسي أمريكي زنجي أخبره أن مواطنا ليبيا من طبرق بعث مرة برسالة إلى السفارة الإمريكية يستوضح فيها بعض المعلومات عن عائلة كيندي. السفارة حولت الأسئلة إلى وزارة الخارجية فردت بالمعلومات التي لديها. عرف روبرت كيندي شقيق الرئيس بالأمر. كيف؟ ليس هناك من يعرف».

«المهم أنه عرف وأنه أرسل إلى السفارة يطلب نسخة من الرد وأخرى من الرسالة لكي يتأكد بنفسه من أن ما ورد فيها كان صحيحا. كان يهتم بتفاصيل أقل أهمية من ذلك وأنه كان له في واشنطن مكتب مليء بالسكرتاريين والمستشارين يعملون بدقة تحسدهم عليها الدولة الأمريكية!»

.. ومع ذلك. مع هذه المعلومات والاطلاع الواسع لآل كيندي قتل شقيقهم الرئيس دون أن يعرفوا الأسباب والجهة واللعبة بكاملها منذ ذلك اليوم. وضع الرئيس كيندي خطة دعاها نقطة التحول في ما غدا الصراع العنيف في الولايات المتحدة تلك الأعوام سمة بارزة لوجه أمريكا الآخر.

كان الأمر هنا يتعلق بحرية المواطنين السود، خاصة في تكساس، التي ظلت تشهد عنفا متصاعدا على عادة أفلام رعاة البقر دون الولايات الأخرى وحتى مناطق العالم بمجمله. كان عنفا غريبا لا يتوقف.

ظل معدل الجريمة هناك في ارتفاع مستمر وأضحت تكساس، على عادة الرعاة أيضا، تعرف بأنها ولاية صعبة دون الولايات الإمريكية الأخرى. وكانت، كما يقال، تزدري السلام كل يوم وتنظر للمواطنين النيقرو على أنهم ليسوا بشرا. وظلت، كما تقول المصادر الحقيقية، تسجل أعلى درجات ارتكاب الجريمة كل لحظة.

واعتبرت دالاس التي اغتالت كيندي الالتجاء إلى العنف عملا محترما، حسب وصف الصحفي الأمريكي الشهير وليام مانشستر في كتابه  موت رئيس. وثمة حقيقة تبرز أنه عند الإعداد للزيارة القاتلة منذ اكتوبر 1963 لم يرق ذلك للعديد من الغلاة المتعصبين داخل الولاية الذين يناصبون الرئيس العداء طول الوقت على كل المستويات. كانوا، باختصار شديد، لا يريدون حضوره وكانوا يعشون وحدهم كما لو أنهم في جزيرة أقصى العالم ويعبرون عن سخطهم المرير على سياسته وعلاقاته وأسلوبه في تسيير وقيادة أمريكا.

ظلت تكساس هنا تقوم بتمثيل حقيقي لفيلم تلمع فيه المسدسات وتتطاير فيه القبعات وتلهد فيه الخيول وتسيل عبرها الدماء في مداخل الحانات. 

وسط هذه الأجواء وصل الرئيس بطائرته الفخمة واستقبلته الجموع بخمسة آلاف منشور، وثمة صورتان لكيندي فوق صفحة المنشور إحداهما صورة جانبية والأخرى بروفيل كامل على طريقة المجرمين. وبلغة واحدة كان المنشور يقول.. هذا الرجل مطلوب بتهمة الخيانة العظمى!
.. وماذا أيضا؟