Atwasat

أزمة ليبيا ومواعيد الغربان

سالم العوكلي الثلاثاء 21 يونيو 2022, 10:53 صباحا
سالم العوكلي

خلال عقد من الزمن، تنقّل الملف الليبي الشائك بين عديد المدن في القارات، وتقلب في مبادرات واتفاقات عدة، وتمرغ بين هيآت ولجان وأجسام مختلفة، لكن الإيعازين الغالبَين في كل هذه المحاولات للخروج من النفق كانا: محلّك سر، أو للوراء در.

وكل مرة تقف أمراض هذا الكيان المستوطنة، أو بتعبير ألطف، خصائصه البنيوية حائلا دون محاولات علاجه بالمراهم أو المسكنات أو بالكي أحيانا.

لكن ثمة ظاهرة طغت في هذه السنوات الأخيرة، وهي شخصنة الأزمة، حيث فُرِّغت قضية هذا الكيان المصيرية في مصالح أشخاص بعينهم، ولم تعد مسألة وطن ولا أمة تحاول أن ترسو على بر، بل إن هذه الشخصنة كانت خلف صياغة معظم التشريعات الدستورية والقانونية التي صدرت خلال هذا العقد.

وكانت في قلب كل الحوارات السياسية والمبادرات المختلفة، وهي تتعلق بأشخاص عالقين في هذه الأزمة يستمدون نفوذهم من مدى سيطرتهم على الأرض من خلال امتلاكهم قوة مسلحة قادرة على إجهاض أي حل لا يستجيب لهوى أشخاصهم.

صِيغَ الإعلان الدستوري منذ البداية وقانون الانتخابات على مقاس أشخاص أوجماعة متطفلة على المشهد السياسي والاجتماعي في ليبيا، وصيغ قانون العزل السياسي ليقصي شخصا، وصيغ قانون العفو العام ليُدمج شخصا، وكل المبادرات التي اقتُرِحت والاتفاقات التي وقِّعت أجهِضت بسبب أنها لا تلبي رغبة شخص أو أشخاص.\

والآن، ما يسمى لجنة المسار الدستوري، تواجه في اجتماعات القاهرة صعوبات جمة في الاتفاق على تعديل بعض مواد الدستور، أو وضع قاعدة دستورية، لأن كل من يفاوض يهيمن فوقه ظل شخص ضاغط، وهذا ما يجعل الاتفاق صعبا بين ليبيين يسعون نظريا لحل أزمة ليبيا، لكن في الواقع لا حضور لليبيا ولا لليبيين في كل هذه المبادرات، وهيمنة أشخاص، يهيمنون على جزء من الأرض، يجعل كل حوار ينتهي كما بدأ، أو كما يقول المثل الليبي "كي ميعاد الغرنبة أوله غاق وآخره غاق". والغرنبة تعني الغربان.

التاريخ ليس بالضروة يعيد نفسه، لكن حين تغيب الديناميكة في مراحل منه، وتهيمن عليه عقود من السكون، قد يبدأ من نقطة نعتقد أننا تجاوزناها، وفي الواقع ما يحدث الآن من نقاط خلاف حدث نفسه إبان صياغة دستور الاستقلال، ونقاط الخلاف تقريبا هي نفسها، فلم يغب، مثلما يحدث الآن، ضغط الأشخاص في تلك الفترة.

أما الاختلاف والخلاف بين الأقاليم فقد كان في ذروته، والفارق أن (الأشخاص) في تلك الفترة كانوا يختلفون، ولديهم الشجاعة لتقديم التنازلات، وأيضا المبعوث من قبل الأمم المتحدة كان يختلف، بل إن منظمة الأمم المتحدة كانت تختلف عما هي عليه الآن.

ورغم وجود ليبيا في تلك الفترة تحت الوصاية الأجنبية، إلا أن الحل كان (ليبيّاً/ ليبيّاً) إلى حد كبير، وكل اللجان والاجتماعات عُقدت داخل ليبيا، كما تحاشى المفوض التدخل المباشر، واقتصر عمله على تقديم التسهيلات اللوجستية والاستشارة وترطيب الأجواء، وهو ما يُستبان من كتاب أدريان بيلت (استقلال ليبيا ـ حالة تفكيك ممنهج للاستعمار)* ، الذي نجح في مهمته وأصبحت إحدى قصص النجاح في أرشيف المنظمة.

كانت الخلافات بين الأقاليم تقريبا نفسها خلافات اليوم، ولكن من خلال هذا الكتاب سأركز على خلاف جوهري تعلق بالاتفاق على عاصمة الدولة، حيث كان العقبة الكأداء في ذلك الوقت، وكل فريق يدلي بأرائه التي يراها وجيهة.

سأقتصر على اقتباسات مهمة من هذا الجدال المهم، وتكمن أهميته في أنه مازال قائما بقوة، وتثبت عودتُنا إلى المربع الأول أن ليبيا كانت طيلة عقود (محلك سر. وغالبا إلى الوراء در).

يذكر أدريان بيلت بداية من الصفحة 1067 في كتابه ما يلي بخصوص مشكلة العاصمة:

"كان اختيار العاصمة مسألة مختلفة. وقد طُرح السؤال في عدة مناسبات للنقاش في مجموعة العمل، وفي كل مرة كان يصل إلى طريق مسدود. وحدث الأمر نفسه في لجنة الثمانية عشرة، ولكن هناك، على الأقل، شُرحت المواقف المتعارضة بصراحة تامة.

وفي اللجنة افتتح عضو برقاوي قيادي الحديث، وعلق على مسودة المادة واقترح أن تكون بنغازي العاصمة الاتحادية: قال السيد خليل القلال... إن الأعضاء المحترمين يدركون تماما أن المآسي التي ابتُليت بها بنغازي قد دمرت معظمها وأنه لم تُترك لها وسائل الترميم التي تجعلها على ثقة بمستقبل مشرق ما لم تصبح مركزاً للحكومة حيث قد يكون لذلك تأثير على نهوضها من جديد، ولكن إذا لم يقم زملاؤه بلفتة الود هذه فإن آمال انتعاشها سوف تتلاشى.

عندئذ اقترح العضو الطرابلسي منير برشان تأجيل النقاش حول الموضوع إلى أن يكون الأعضاء الطرابلسيون قد اجتمعوا معا ودرسوا المادة دراسة كاملة بعد مشاورات متبادلة بينهم.

وبعد أسابيع استُؤنِف النقاش: نهض العضو المحترم السيد عبد المجيد كعبار وشرح الصعوبات التي تقف في طريق جعل بنغازي العاصمة عبر الإشارة إلى أن الدولة الطالعة كانت مثقلة بنفقات زائدة ولا يمكنها تحملها إلا بصعوبة وهي لا تزال في طور التكون، في حين أن طرابلس في حالة استعداد كامل. ولأسباب تاريخية واجتماعية وغيرها من أسباب التنمية الثقافية، لن يكون من السهل نقل العاصمة من طرابلس إلى أي مكان آخر.

ونهض السيد محمد بورحيم ولفت انتباه اللجنة إلى نقل العاصمة التركية من إسطنبول (القسطنطينية) إلى أنقرة على الرغم من وجود تباينات بين المدينتين مماثلة للتباينات التي أشار إليها الزميل المحترم عبد المجيد كعبار على وجه الخصوص.".

واستمر الحوار حيال العاصمة وبناء على معطيات تاريخية وجغرافية ومعطيات آنية تتعلق بإعادة الإعمار وغيرها من الحجج، واستطرد السيد خليل القلال قائلا بلغة مشحونة بالعاطفة: "إنه دعا أشقاءه الطرابلسيين إلى إظهار روح التضامن والمساعدة المتبادلين التي من شأنها تعويض برقة التي عانت من دمار رهيب واضطرابات مروعة".

بينما قال السيد محمد الهنغاري: "إن الوضع التاريخي الطبيعي، فضلا عن الوضع الحضاري يؤكد أن طرابلس كانت العاصمة دائما." ورد القلال: "إن الوضع الطبيعي يدعو إلى جعل العاصمة بنغازي لوجودها في وسط ليبيا، وإن نقل العواصم من مكان إلى آخر هو اقتراح عملي.". وحين أزداد النقاش حدة تقرر أنه من المناسب تأجيل النقاش بعد دراسة الموضوع إلى فرصة أخرى في جلسة الجمعية الوطنية.

وحين وصل النقاش والدستور إلى طريق مسدود أمام التعنت المتبادل، ذهب المفوض كما يقول مرة أخرى إلى الملك "للحصول على المشورة، واتفقا على أن الوقت حان لحل عقدة المشكلة العويصة. من وجهة نظر عملية، كانت أفضل طريقة للخروج من المشكلة تسمية طرابلس وبنغازي كعاصمتين، مع كون الأولى هي المقر العادي للحكومة.

وكان هذا سيسمح بانعقاد البرلمان في بنغازي لأسباب خاصة". ورفض البرقاويون هذا المقترح مطالبين بتناوب مقر الحكومة عاما بعام. ورفضه الطرابلسيون والفزانيون بناء على حجج مالية وإدارية.

وعند هذا الحد تعهد الملك "بإجراء حديث مع رئيس الوزراء الاتحادي، ومع، المفتي، وعمر شنيب، وأحمد أبوبكر، بشكل منفصل" وجرت اللقاءات الأربعة خلال نفس الصباح "واقترح جلالته الحل الذي يفضله شخصيا: عاصمتان طرابلس وبنغازي، دون تحديد في الدستور أيهما سيكون مقر الحكومة".

ولكن رفض هذا الحل جميع الأطراف واستمر الجمود. لذلك "وبناء على طلب الملك، دعا المفوضُ إلى اجتماع بعد ظهر ذلك اليوم في القاعة الرئيسية لقصر المنار مع الوفد الطرابلسي بالكامل، والذي انضم إليه فيما بعد أعضاء بارزون من الوفد الفزاني.

وأشار لهم إلى أنه لا يوجد الآن سوى خيار واحد: إما لا حل على الإطلاق، وما يصاحبه من عواقب وخيمة للغاية؛ وإما اقتراح الملك، الذي لم يعجب البرقاويين، لكنهم قد يقبلونه. وناشدهم المفوض التضحية بتفضيلاتهم الإقليمية من أجل الوحدة، وتركهم لمناقشة الأمر فيما بينهم.".

وعلم المفوض بعد ذلك بقبول الوفدين الطرابلسي والفزاني لاقتراح الملك شريطة أن لا تُذكر مسألة مقر الحكومة. وبعدها أعلن البرقاويون عن موافقتهم على مضض على حل العاصمتين وقبولهم شرط الطرابلسيين.". ويعود بيلت، بعد سنوات من قيام الدولة، لتقييم كل هذه الجدالات وأهميتها، فيقر بحقيقة أنه "على الرغم من مخاوف المفوض ومستشاره القانوني، كما انعكست في تحذيراتهما لمعدي الدستور الليبي، برهنت أحكام مراجعة الدستور عن قيمتها من خلال السنوات الأولى من استقلال ليبيا، لأنها كانت مناسبة للأوضاع السائدة حينذاك، ولأنها ساعدت أيضا على تحقيق الاستقرار المنشود في العلاقات بين الولايات الثلاث.".

مسألة العاصمة كانت إحدى الخلافات الجوهرية والتي تعود الآن بقوة، ولكن يمكن تجاوزها كما حدث سابقا، ففي النهاية دولة بعاصمتين أفضل من عاصمة بدولتين.

لكن الخلاف الأساسي كما بدا في اجتماعات لجنة المسار الدستوري بالقاهرة، خلاف جديد يتعلق بشروط الترشح لمنصب الرئيس، أو التدابير المنظمة للمرحلة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات، وهو خلاف حول أشخاص لا تقف خلفه مصالح وطن ولا حتى مصالح أقاليم، لكنه مشخصن إلى أبعد حد، وكأن مصير هذه الأمة اختُزل في أهواء أشخاص.

وهو خلاف لم تصادفه ليبيا من قبل لأنه لأول مرة في تاريخها تُطرح مسألة انتخاب الرئيس، والتي ستظل لمدى غير منظور فتيلا عالقا بهذه القنبلة الليبية المهيأة للانفجار في أي وقت.

* كتاب (استقلال ليبيا ـ حالة تفكيك ممنهج للاستعمار) تأليف: أدريان بيلت، مفوض الأمم المتحدة. ترجمة: محمد زاهي المغيربي. منشورات: مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة بالتعاون مع: كلام للبحوث والإعلام.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات