Atwasat

22. المقامر

محمد عقيلة العمامي الإثنين 21 فبراير 2022, 03:01 مساء
محمد عقيلة العمامي

للمطرب الأميركي الشهير، (كيني روجرس - Kenney Rogers) أغنية مشهورة عنوانها، المقامر: (The Gambler). تقول كلمات بعص فقراتها:

(إذا نويت أن تقامر، يا فتى، فقامر بشكل صحيح. تعلم متى تلعب؟ ومتى تنسحب؟ لا تعد مكاسبك وأنت مستمر في المقامرة، لأنه سيكون لك وقت وافر للعد، فكل المقامرين ينتهون ما بين خاسرين وكاسبين، سر نجاح المقامر، فيما يحتفظ به من أوراق، وفيما يتخلص منه..).

الأغنية لا يستوعب كلماتها سوى من مارس لعبة معينة من القمار ليعرف معناها، وهي لعبة (البوكر) التي كنا نشاهدها في أفلام الغرب الأميركي، حينما تنتهي اللعبة، غالبا، بإشهار السلاح والاقتتال.

ولقد ارتبطت طفولتنا خلال ليالي شهر رمضان بالسهر الذي يمتد حتى السحور، والعديد من المساجد تظل مفتوحة من بعد صلاة التراويح، للذكر والتهجد، وأيضا للمسامرة في خلواتها وقد تمتد حتى ارتفاع أذان الفجر وصلاته. كان السهر مرتبطا بشهر رمضان، وابتدعت للأطفال وسائل ترفيهية لعل من أبرزها في بنغازي (كراكوز بازامة) ، وهو خيال الظل حيث ابتُدعت شخصيات فكاهية مثل (الكراكوز) الذي من شخصيته اكتسب الأراجوز اسمه، وأيضا (الحازيواز) و (للا منانا) وبسبب فكاهة المواقف الضاحكة الطفولية التي كنا نترقبها باعتبار أنها المتعة البصرية الوحيدة لجيل طفولتي. ثم خلال الصبا، كان لعب الورق (الشكبة) و(الأسكمبيل)، خصوصا ما بين الأربعة من أشهر وسائل هذه اللعبة، في حين أن اللعبة نفسها في طرابلس يشتهر لعبها بستة أفراد. هناك (الشكبة) ولم تدخل لعبة (الرومينو) إلا مؤخرا، وكانت معظم هذه الألعاب تتأسس على أن يدفع الخاسر ثمن مشروبات اللاعبين. قد تكون هذه الألعاب هي وسائل الترفيه الرمضاني الذي يصاحب السهر الذي يستمر حتى قبيل موعد السحور.

ومع ذلك كانت هناك شِلل شبابية يلعبون ألعابا مختلفة مقابل مال، وهي بالتأكيد نوع من أنواع القمار، وإن كانت بمبالغ زهيدة. ولكن الأمر تطور مع ارتفاع الدخل، في تلك الفترة التي فتحت فيها حكومة ثورة سبتمبر الخزائن، وكثرت مشاريع الجيش من بناء المعسكرات والثكنات، ناهيك عن الثراء الذي صاحب مشاريع التطوير العمراني، حيث ما كان يتطلب من المواطن سوى قطعة أرض، وتقوم المصارف بتمويل البناء الذي يبالغ أصحاب الأرض فيه، فهم يعتبرونها فرصة لاقتطاع جزء من تكلفة البناء إما للاقتصاد أو لاعتبارها ثمنا للأرض، أو رأسمال مشروع. كل ذلك جعل المال يكثر وتكثر معه إغراءات السوق من أساسيات وأيضا من كماليات، تدفقت بشكل جنوني. ومعها لم تعد تسالي رمضان تلك الألعاب البسيطة البريئة، فلقد بدأت ألعاب الورق الترفيهية خلال شهر رمضان تتطور سريعا، وصلت حد قدوم مقامرين محترفين من دول أكثر انفتاحا على الغرب، من دول الشام تحديدا، وكثرت الألعاب ومسمياتها. وعرفت لعبة (البوكر)، التي تناولتها في روايتي (نقش على جدار العين) والتي عقب عليها أحد الرفاق الأعزاء، إنها رائعة حتى أنك تتعلم لعبه البوكر مع متعة قراءتها!

كان لمحاضرات الدكتور محمد علي العريان في علم النفس، في سنتي الأولى، أثر كبير على قراراتي الدراسية اللاحقة، بل أيضا في مسيرة حياتي العملية. كنت، مثلا، مهتما ومأخوذا بالتاريخ وكان قراري التخصص فيه، ولقد كانت نتائجي النهائية في علم النفس والتاريخ هي الأفضل. ولما عرف الدكتور العريان نيتي في دراسة التاريخ، وضح لي أنه متأكد من نجاحي وتفوقي في مادته، فلقد أخبره الدكتور فوزي جاد الله عن اهتماماتي الجادة بمادته، غير أنه وضح لي أنه مهما تفوقت في أي مادة ستحتاج إلى لغة أجنبية لمواصلة دراستك، وبالتالي الأسلم أن تدرس لغة إنجليزية ثم تنطلق نحو التاريخ جاهزا لها، خصوصا أن السنة الثالثة بقسم اللغة الإنجليزية سوف تكون دراسة تاريخ أوروبا في العصور.

ولكن الود كان مقطوعا ما بيني وبين اللغة الإنجليزية! وظل أمر التخصص متذبذبا ما بين التاريخ الذي سجلت في قسمه بالفعل، وبين ما اقترحه الدكتور محمد علي العريان! كان عبد المجيد قد ذهب إلى كلية الحقوق وباشر الدراسة لحوالي ثلاثة أسابيع فيما باشرت أنا التاريخ خلال المدة نفسها فقد كان قانون الجامعة يمنحنا تجربة شهر بعدها إما أن نواصل أو ننتقل إلى قسم آخر. وجاء عبد المجيد واعترف أنه يصعب كثيرا أن يواصل دراسة القانون، فهو يحتاج إلى يوم إضافي كل يوم! واقترح أنه سيأخذ برأيي وينضم إلى قسم اللغة الإنجليزية، فلقد كانت لغته أفضل بكثير من لغتي، وذلك بسبب أنه من الجيل الذي درس اللغة الإنجليزية مبكرا، بحسب نظم الأربعينيات والخمسينيات، في القرن الماضي، فلقد كانت اللغة الإنجليزية تدرس منذ السنة الخامسة الابتدائية، لأنه من بعد المرحلة الابتدائية لم تكن هناك دراسة إعدادية، وإنما ثانوية فقط، أما أنا فأتممت الشهادة الابتدائية، وبعدها أُقرت المرحلة الإعدادية وبالطبع من بعدها الثانوية. عبد المجيد قال: «دعنا نتفق.. تنتقل أنت من قسم التاريخ إلى قسم اللغة الإنجليزية وأنتقل أنا من الحقوق إلى قسم اللغة الإنجليزية ونواصل مسيرتنا معا..» وأخبرته بضعفي الشديد، فأكد لي أنه سيكون سندا لي، وبالفعل كان كذلك، ولكن بعيدا عن مدرجات الجامعة!

أول دراستي بالقسم أشهد أنني حاولت الاجتهاد وتطوير لغتي، ولكنني عجزت. وكان من أساتذتنا مستر جونس وهو عجوز كلاسيكي وبريطاني جدا! انتبه إلى صمتي وحيرتي وعدم قدرتي على الفهم. ذات يوم في نهاية محاضرته طلب مني أن أذهب معه إلى مكتبه، وارتعبت، فرحا! فلقد تصورت أنها نهاية علاقتي بقسم اللغة الإنجليزية! في مكتبه أخبرني ببساطة وسلاسة أنه منتبه أنني أريد أن أتعلم اللغة ولكنني عاجز، وسألني عن سبب ذلك؟ تشجعت وأخبرته عن عدم قدرتي فعلا عن فهم الفروق ما بين (Is ,Are, Have , Has, was) وبقية المشابهات. ضحك وطلب أن أخرج معه، وأخذني إلى شارع العقيب، وهناك قال لي أمام بيته: «هذا بيتي وعليك أن تكون هنا من غدا الساعة الرابعة تماما»، وبالفعل كنت في الموعد ومن بعد شهر أصبحت أعين بعض رفاقي في فهم الشعر، وأفسر لهم فقرات من رواية: (Tess of the d'Urbervilles) وأحدثهم عن مؤلف الرواية (Tomas Hardy) وكأنه (ولد زنقتنا).

كنت، من المرحلة الثانوية، أحتاج إلى يوم أطول من 24 ساعة بسبب حاجتي إلى ساعات عمل أطول، ناهيك عن مغريات لهو فاقت كثيرا ما سبق وأن عرفناه، عندما كان ببنغازي أربعة نواد ليلية وصالتيا روليت، وبضعة أشياء أخرى. صحيح أنه من بعد وصولنا الجامعة لم نخلط ما بين دراستنا وما بين رغبة التجربة التي يجد لك شبابك الكثير من مبررات معرفتها، ومع ذلك لم ننسق تماما وراء تيارات هذه المغريات إلا بهم ضرورة المعرفة والتجربة، فحياتي في ذلك الحين، وحياة عبدالمجيد أيضا، أن أهالينا يعاملوننا وكأننا رجال عقلاء! ولعل زواجي من بعد اجتيازي السنة الدراسية الثانية، وسفري مع زوجتي إلى بريطانيا تطبيقا لمبدأ أقرته الجامعة الليبية، الذي ينص بموجب اتفاقيات أن يقضى طلاب قسم اللغة الإنجليزية ثلاثة أشهر الصيف لدراسة تطبيقية لمادة «الثقافة البريطانية».

ومع ذلك كانت لنا حياة أخرى تختلف عن بقية الطلاب، كان المال متوفرا بين أيدينا ناهيك عن أننا رفاق لرجال أعمال من جيلنا بعضهم من أسر ثرية مثل عبد الله السوسي، الذي انخرط مبكرا في أعمال التجارة والمقاولات، وتعرفنا في مكتبه على رجال آخرين أكبر منا سنا بسنوات قليلة وبتجربة عملية كاملة، وممارسة فعلية في مجال الأعمال الحرة من مقاولات وتجارة، وعلى الرغم من ذلك كانوا يحبون الليل تماما مثلما يحبون أعمالهم التي نجحوا فيها، باستثناء شخص واحد سخره الله لي كان حجة التجارة وإمكانية هائلة في أعمال التوكيلات التجارية والتسويق، ناهيك عن لغة إنجليزية متميزة، وفوق ذلك ملتزما دينيا وأخلاقيا، كان سندا حقيقيا لي.

ولعله من حقه عليّ أن أدلي بشهادة عن سلوك وقفت عليه لم أر مثله في مرحلة كنت شاهدا عليها، فمن بعد تأميم التجارة، توقفت أعماله تماما، وعرض عليه تولي منصب مدير تجاري في إحدى الشركات الأهلية التي كانت مهمتها توريد الملابس كافة إلى المنطقة الشرقية، وكان بمقدوره أن يصل درجة ثراء عالية ولكنه بشهادة كل من عرفه لم يتقاض سوى مرتبه، فكان أحد قلة لم تطلهم التحقيقيات والاستجوابات التي صاحبت مصائب أيام 7 أبريل في ليبيا. هكذا كان المرحوم حامد عبد الجليل الحضيري، الذي يعد من قدماء الوكلاء التجاريين في بنغازي، وأكثرهم خبرة وفوق ذلك ذكاء ونزاهة. وتداعي الحكايات والذكريات متواصل، بعونه تعالى.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات