Atwasat

ترشيح المؤامرة

نورالدين خليفة النمر الخميس 27 يناير 2022, 12:51 مساء
نورالدين خليفة النمر

يتواقت صدور مذكرات عبدالسلام جلود «الملحمة» مقبل هذا العام 2022 عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات». مع المؤامرة الروسية لإبراز سيف القذافي، مترشحا عن دائرة سبها في الجنوب القصي من ليبيا للانتخابات الرئاسية المؤجلة إلى ما بعد 24 ديسمبر 2021.

هذا التشويش الروسي على الانتخابات الليبية، عبر أداته مرتزقة «فاغنر» حفل بعديد الأصداء السلبية: ليبيا؛ بالأخص من منافسه قائد مُسمى الجيش الليبي وأبنائه. الذي حاول إعاقته عبر الميليشيات التابعة له من قبيلة «المقارحة» التي ينتمي لها جلود في الجنوب، ودوليا الولايات المتحدة وبريطانيا وبالذات فرنسا بسبب ضلوع وكالة «فاغنر» الروسية المتوغلة في فضائها الأفريقي بتمكينه من تقديم طلب ترشحه. أما حقوقيا لمطالبة الجنائية الدولية بمثوله أمامها بسبب ضلوعه في جرائم ضد الإنسانية إبان الثورة الليبية 2011. إلا أن البيان، الصادر في 18 يناير 2022 عن لقاء نائب وزير الخارجية الروسي مع المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا. يؤكد ثبات روسيا على موقفها الداعم لتعزيز ما تصفه دبلوماسيتها المتبجحة «بالتسوية السياسية للأزمة الليبية دون تدخل خارجي، كجزء من عملية شاملة تنطوي على مشاركة جميع القوى السياسية الفاعلة ـ المقصود وريث النظام الدكتاتوري ـ في ليبيا».

تستند «البروباغندا» القبلية المدعومة بمرتزقة فاغنر الروسية، لتغطي على مطالبة المحكمة الجنائية الدولية مثول المترشح سيف القذافي أمامها، بما تسميه بالسجل الإصلاحي الذي أقترفه القذافي الابن كوريث محتمل ثغرة في انسداد النظام العائلي والقبلي الساقط في 2011 بالثورة الشعبية الليبية. جلود الذي نعتته من 1969 حتى ابتعاده الطوعي 1992 الدوائر الغربية بالرجل الثاني في حكم ليبيا. يفند هذه الادعاءات المضللة ويرى أنه «عندما بدأ ـ رأس النظام ـ بتهيئة ابنه خليفة أولَ له، وأخذ يقدمه لليبيين والعالم، واقعا تحت وهم أنه يملك الذكاء والدهاء ليخدع الجميع، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية والغرب، صار يطلق «بالونات الاختبار»؛ فكان يقرر إصدار تصريحات على لسان ابنه الوريث ليعرف كيف تفكر الولايات المتحدة والغرب تجاهه، مطلقا المواقف والشعارات التي لا يعنيها ولا يؤمن بها؛ مثل ليبيا الغد، الانفتاح، وغيرها».

يبدو أن الحكومة الروسية، بمساعدة وكالة مرتزقتها «فاغنر» استلهمت طريقة استخدام القذافي والتلاعب بابنه الوريث لبث رسائل لأميركا والغرب. وهذا ما نلاحظه في تصريح للموقع الصحفي الأميركي «بلومبيرغ» من قبل رجل الأعمال الروسي  مكسيم شوغالي، الذي يعمل لحساب مرتزقة فاغنر ومديرها المقرب من الكرملين في ليبيا. فهو يتأسف لـ«سيف القذافي» ألا يتبوأ منصب رئيس ليبيا . في الانتخابات المقبلة لأنه شخص غير مقبول بالنسبة للولايات المتحدة، وأن هناك نظاما سياسيا غربيا ضده».

تعمد جلود في الفصول المنشورة في جريدة «العربي الجديد» من مذكراته أن ينأى بنفسه عن كل المنزلقات الليبية التي أوقع رفيقه القذافي متعمدا نفسه فيها: الشخصنة الاستبدادية والنرجسية، والعائلية والقبائلية الفوضوية فهو بتحقيبه لها من إعلانه الثورة الشعبية والثقافية 1973 إلى سقوط نظامه وأسره في ماسورة مياه الأمطار، ثم قتله خريف 2011 بدموية في مشهد دراماتيكي عاصف. مستندا عبر سرد معايشاته القريبة حتى بعد ابتعاده عن وظائفه. بوضع القذافي في قفص أخطائه خياناته وجرائمه والأقفال عليه فيه. وبخصوص الموضوعة الروسية المتعلقة بترشيح سيف القذافي لرئاسة ليبيا، يورد جلود من مذكراته فقرة دالة عن خبرة طويلة بنفسية وذهنية التلاعب التي انتهجها الدكتاتور الأب حتى مع أبنائه وتأتي الفقرة بمناسبة عيد حيث كان جلود في حضور القذافي الأب وهو يخاطب ابنه سيف لائمه على مكوثه الطويل في لندن منكفئا على خيبته من ألعوبة توريثه «يا سيف يتكلم القذافي الأب: إذا لم تعد إلى ليبيا فإن المعتصم أخيك سيأخذ مكانك». وأنا أعرف يتكلم جلود: أن معمّر يؤمن بسياسة «فرّق تسد» حتى النخاع، ويجيد ويتقن أساليب استخدام الواحد ضد الآخر، واستخدام جماعة ضد أخرى، واستخدام قبيلة ضد أخرى. وقد استخدم هذه السياسة وهذه الأساليب ضد أعضاء مجلس قيادة الثورة والضباط الوحدويين الأحرار، ولكن أن يستخدم هذه السياسة وهذه الأساليب مع أبنائه فقد كانت هذه مفاجأة محزنة لي».

حذر العميل الروسي ف.شوغالي في لقائه المنشور بموقع «بلومبيرغ» من خطر تجدد الصراع إذا لم يُسمح لـ«سيف الإسلام» بالترشح أو اعتقد أنصاره ـ ويعني من قبيلته ـ أنه خسر الانتخابات، واصفا ذلك بـ«القنبلة الموقوتة المؤجلة». يفند جلود هذه النبوءة الروسية بما يورده من شواهد غزيرة في المنشور من مذكراته، الدالة على أن القذافي الذي تلاعب بالجميع ومن ضمنهم قبيلته، كان قد تجاوز مبكرا حاضنتها وحليفتها قبيلة ورفلة، التي ألجأته إليهما المحاولة الانقلابية التي دبرها في أغسطس العام 1975، عضو مجلس الانقلاب البارز ورفاقه من مدينة مصراته التجارية، والمعروفة بمؤامرة المحيشي. وهذا النفور المصدوم من قبيلته كان مباشرة بعد المحاولة الانقلابية التي دبرها أغسطس 1993ضباطٌ من قبيلة ورفلة، وبعدها محاولة اغتياله من ضباط حرسه من قبيلة القذاذفة. ويشير جلود إلى أن الدكتاتور القذافي عاقب المنقلبين عليه من ضباط القبيلتين بدموية صارخة.

جريدة «نيويورك تايمز» في تقريرها الذي نشرته في 18يونيو 2019، ركزت على خلفية شوغالي وتاريخه مستنتجة منهما. أنه جاسوس روسي بامتياز مستدلة على ذلك بأنه ومترجمه اعتُقلا في طرابلس بعد لقائهما سرا بسيف القذافي المتهم في 2011 بارتكاب جرائم حرب إبان الثورة الليبية، والذي ـ رغم ذلك ـ يجد في نفسه دون منافسيه بديلا صالحا لتولي رئاسة ليبيا في انتخابات 2021 المؤجلة. السجينان اللذان رفضا الاعتراف بأنهما جاسوسان، لم يقدما حتى الآن أي دليل لإثبات براءتهما، وتبيان دوافع لقائهما بسيف القذافي، ولماذا احتوت حواسيبهما على معلومات غاية في الخطورة عن ليبيا. شوغالي الباحث الاجتماعي المزعوم، هو ناشط سياسي مخضرم كانت له صولاته وجولاته في سان بطرسبرغ بروسيا خلال نزاع انتخابي حدث في العام 2002؛ مما يبعد عنه صفة الباحث.

كما كان من ضمن فريق روسي اتهم بمحاولة التدخل في الانتخابات في مدغشقر العام 2018 مدير المؤسسة الروسية التي أرسلت شوغالي إلى ليبيا، ويدعى «ألكسندر مالكفيتش»، دافع عنه، مدعيا أنه لم يتلقَ أوامر تفيد التدخل في الانتخابات الليبية على اعتبار أنها في ذلك الوقت لم تجر  أساسا، ووفق الجريدة الأميركية هو في واقع الأمر لا يقدم دليلا على ذلك، بل ربما يدين مؤسسته ومبعوثه الاجتماعي عبر إرساله إلى بلد تطحنها الحروب والنزاعات.

الأهم من كل ما سبق حسب «نيويورك تايمز»، يكمن في الصلات التي تجمع المؤسسة التي يديرها ألكسندر مالكفيتش مع «يفغيني بريغوجين» أو كما يعرف بـ«طباخ بوتين» وهو رجل أعمال يدير مرتزقة «فاغنر» سيئة السمعة والتي تقاتل في ليبيا وفي دول أخرى مثل سورية وأوكرانيا التي بوقوعها في مرمى العصف الروسي تتصدر اليوم واجهة الأحداث العالمية.

Write to Nureddin Ennemer

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات