Atwasat

جزيرة في الأفق

نورالدين خليفة النمر الخميس 20 يناير 2022, 10:32 صباحا
نورالدين خليفة النمر

الدول التي سماها بالفاعلة في ليبيا تركيا والأمارات، وبالأخص روسيا، تقريرٌ لمركز أبحاث "المجلس الأطلسي" الأميركي، لايدور في ذهن ساستها الدين مازالوا يلعبون عبر بيادقهم الليبيين دوراً سلبيا في القضية الليبية أن ليبيا الدولة الوحيدة الحديثة التي صنعتها منظمة الأمم المتحدة الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية. مخاض الاستقلال كـ إجراء Process من 1949 ـ 1951 صنع الدولة الأولى، ومخاض الانتخابات كإجراء رئاسة وبرلمان تعطل من 2012 وتأجل بعد عام 2021، ربما سيصنع في المستقبل القريب دولتها الثانية .

من حظ الشعب الليبي أن يكون له دورٌ ما في الإجرائين .1 ـ التحرير من الاستعمار بالمشاركة الرمزية عام 1943 للجيش السنوسي، مع القوة الحليفة بريطانيا في دحر الاستعمار الإيطالي الفاشي، والشراكة بين الأمير السنوسي وقادة الأحزاب الاستقلالية الطرابلسية 1949في التوحد إزاء المطلب الاستقلالي .2 ـ والتحرير من الدكتاتورية عبر بؤر الانتفاضة المسلحة التي تعاونت في الغرب الليبي عام 2011 مع قوات الناتو في رسم إحداثيات لتعطيل الآلة الحربية للنظام الدكتاتوري، وقبلها التحرر في أسبوعين لشرق ليبيا، وإعلان المجلس الوطني الانتقالي كحكومة ليبية بديلة اعترف بها المجتمع الدولي .

الدول التي أشرنا إليها، ليس في مصلحتها نجاح الثورة الليبية في تأسيس دولة غنية بالموارد تأخذ بأدنى أسباب المدنية والحكم الديمقراطي تكون نمودج تحول سياسي واقتصادي في شمال أفريقيا وعلى ضفة المتوسط المقابلة لأوروبا. ولدا أعاقت النجاح الليبي بذراعيها: ميليشات الإسلام الفوضوي بتوجهيه السياسي والسلفي، والدكتاتورية الملتبسة إهاب الجيش الوطني بهجومها على العاصمة طرابلس وإيقاف الدفع الأممي نحو المؤتمر التوافقي الجامع في غدامس 2 عام 2020 .

تواقت الهجوم على العاصمة طرابلس مع تصعيد في منطقة شرق المتوسط التي برزت جادبةً لاهتمام القوى الإقليمية والدولية، المتدخلة في الصراع الليبي ـ الليبي، بسبب حجم الاحتياطات من الغاز الطبيعى الذي يُقدر بنحو 340 تريليون قدم مكعب، وهو ما أضفى قيمة اقتصادية بجانب الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة التي تكون ليبيا بحكم موقعها ومواردها، إضافة للغاز الطبيعي، في قلبها.

وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، كما يشير تقرير المجلس الأطلسي، تنظر فقط إلى الانتخابات على أنها وسيلة لازدهار ليبيا المستقبلي، كان اللاعبون الرئيسيون مثل تركيا والإمارات وروسيا التي لديها غايات مشابهة في الاعتبار، من حيث التركيز على القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لليبيا، ومختلفة لأن احتياطيات النفط والغاز الليبية يمكن أن تُوفِّر إمدادات إضافية لخصوم روسيا أو شركائها. بل الأبعد من ذلك يرى التقرير أن تعزيز روسيا نفوذها يمكن أن يمنع ليبيا من الاندماج في سوق الطاقة الناشئة في شرق البحر الأبيض المتوسط وجنوب أوروبا.

غياب الثقة وحالة الاستقطاب وتعارض المصالح بين الأطراف الداخلية والخارجية كُلها قادت لعرقلة الانتخابات الليبية وأفشلت المسار السياسى، فكان من المنتظر أن تُجرَى الانتخابات الليبية في 24 ديسمبر 2021، إلا أن ذلك لم يحدث، حيث عادت للتفاقم خلال الأشهر الأخيرة من عام 2021 حالة العسكرة والتلويح باستخدام القوة والتصعيد من قبل عدد من الميليشيات الليبية في الشرق والجنوب والغرب. وفى الوقت ذاته، لم تنجح المساعى الدولية فى التعامل مع قضية المرتزقة والقوات الأجنبية، يضاف لذلك عدم القدرة على إنجاز ملفات توحيد المؤسسات الليبية .

السيناريو المحتمل الذي مازالت تشتغل عليه الولايات المتحدة: أن تشهد الأزمة الليبية نقلة نوعية تتمثل فى إجراء الانتخابات خلال عام 2022، وإفراز سلطة شرعية بشكل أو آخر تتولى التعامل مع القضايا المؤجلة والكبرى كتوحيد المؤسسات وإخراج المرتزقة، الصيغة التي مازالت مطروحة من قبل الأمريكيين مبعوث الولايات المتحدة وسفيرها في ليبيا، والمستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ليبيا، وهي صيغة الديمقراطية الإجرائية، التي تفترض ـ حسب وكيبيديا ـ أن العملية الانتخابية هي جوهر السلطة الموضوعة في المسؤولين المنتخبين، وتضمن الالتزام بكل إجراءات الانتخابات كما ينبغي (أو على الأقل يبدو الأمر كذلك). ويمكن أن يوصف هذا النوع من أنواع الديمقراطيات على أنه جمهوري (أي يقوم الشعب بالتصويت لاختيار الممثلين)، حيث لا يتم تطبيق إلا الهياكل والمؤسسات الأساسية فقط. وبشكل شائع، يستخدم الممثلون المنتخبون من قبل الإجراءات الانتخابية للإبقاء على أنفسهم في السلطة ضد رغبة الشعب العامة (بدرجات متنوعة)، وبالتالي، تتم الحيلولة دون إقامة الديمقراطية الكاملة.

أعاد المكرر ما أدرجته المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ليبيا، على "تويتر"، في ما وصفته بالمشاورات الواسعة بلقائها 18 يناير 2022 في موسكو مع نائب وزير الخارجية الروسي. فطاحونة الشيء المعتاد الروسية الصنع من العهد السوفياتي المنهار، مازالت تصدر البيانات المخادعة بالتأكيد على: "الدور المهم للمجتمع الدولي وعملية برلين لمساندة الليبيين في تحقيق تطلعاتهم نحو السلام والازدهار، من خلال عملية شاملة بقيادة وملكية ليبية، مع أهمية الحفاظ على الاستقرار في جميع ربوع ليبيا"، متجاهلة تورط الكرملين في نشر قواته المرتزقة "فاغنر" وتثبيتها في الشرق الليبي حيث تسيطر عسكرياً على منابع النفط في حوض الجفرة والهلال النفطي، وفي الجنوب الليبي حيث تبعث جثة الدكتاتورية الساقطة عام 2011 للترشح لانتخابات الـ 24 ديسمبر 2021. بل إن روسيا استخدمت شرق ليبيا محطة ثانية بعد سوريا لمد أذرعها في أفريقيا. فحسب موقع فلايت رادار تم رصد الرحلات الجوية الأخيرة لطائرة روسية نوع "طوبولاف" انطلقت من موسكو في 19 ديسمبر 2021 باتجاه دمشق. وبعد أن قامت باستراحة في ليبيا، وصلت في الأخير إلى باماكو في يوم 20 كانون الأول/ ديسمبر. وفي نفس اليوم، قامت باتباع نفس المسار في طريق عودتها لتهبط في دمشق قبل أن تعود لنقطة انطلاقها في موسكو.

في المقلب التركي مازالت أنقرة تصر على مشروعية وجودها في ليبيا الذي حسم هزيمة مسمى الجيش الليبي على أبواب طرابلس ودحره بقصف الطيران المسير حتى سرت، وأن اتفاقيتها البحرية مع حكومة الوفاق قانونية وأقنعت أخيراً بجدواها لليبيا وفداً برلمانيا مناصراً لهجوم مسمى قائد الجيش الليبي متبنيا تهمة تخوين حكومة الوفاق لجلبها الاحتلال التركي المجدد إلى ليبيا. وشرق المتوسط لايبدو أن أنقرة ستتخلى عن دبلوماسية الزوارق الحربية ومحاولاتها فرض الأمر الواقع عبر التنقيب عن الغاز، الأمر الذى يظل محل شك فى ظل عدد من الشواهد لعل أبرزها إعلان تركيا إضافة سفينة رابعة للتنقيب عن الغاز شرق المتوسط، والاستعداد منتصف عام 2022 لجولة جديدة من التنقيب ربما في المنطقة البحرية المشتركة مع ليبيا .

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات