Atwasat

خير يا شامخ

صالح الحاراتي 6 أيام
صالح الحاراتي

فى مواقع التواصل الاجتماعى لفت انتباهى أن الكثير من الصفحات تستخدم لفظة "شموخ" ومشتقاتها فى تسمية صفحات وشخصيات فى العالم الافتراضي وفى الواقع.. الأمر االذي جعلني أتذكر منظومة الكلام الشعاراتية التي سادت زمنا مضى، ولكن يبدو أنها متغلغلة في العقول لحد كبير. منظومة كلامية زائفة وثفافة تم ترسيخها فى زمن مضى ولا زالت تفعل فعلها من خلال الخطاب الشعبوي الذي يمارسه أهل السلطة وهم يحاولون الاقتراب من الناس من خلال الكلام الوهمي والألفاظ الجوفاء والوعود والعبارات البراقة التي تحرك المشاعر وتثير العواطف ويقدمون في خطبهم حلولا بسيطة لمشاكل سياسية واجتماعية معقدة معتمدين على شعارات فخيمة رنانة، ويصفون إنجازات صغيرة بأنها إنجازات "حضارية عملاقة" وغير ذلك من التهويل لكل تافه وضئيل.

ونأتي إلى "خير يا شامخ"

تلك العبارة التى نبهني لها صديق بأنها أحدث ما أنتج الشباب المتمركزون فى نواصي الشوارع (لنقوليات) ويقولونها سخرية من الإنسان الواهم المتكبر المتعالي الذي يظن أنه على الصواب وأنه وصل إلى سلطة أو مكانة كبيرة، والمقصد منها السخرية ممن يوجه له الكلام، وليس توصيفا لواقع وحقيقة من يدعونه بـ "الشامخ" وفى نفس الوقت هو استهزاء أيضا بتلك الألفاظ والشعارات الزائفة التي سادت الخطاب الرسمي فى زمن مضى والذي يدعي ويتوهم الشموخ وما إلى ذلك من الصفات.

فما هو الشموخ

شموخ اسم عربي يمكن إطلاقه على الذكور والإناث أيضاً، ويعني الرفعة وعلو الشأن والمكانة الكبيرة والرقي والسمو.. والشامخ يفترض ان يتسم بشخصية راقية، كما أنه عاقل ورزين، يفكر كثيراً قبل اتخاذ القرارات وإصدار الأحكام.

ولفظ شموُخ مصدره شَمخَ

أَظْهَرَ شُمُوخاً: إِبَاءً وَأَنَفَةً، اِعْتِزَازاً وَربما تَكَبُّراً… شمَخَ بأنفه أي تعاظم وارتفع كِبْرًا وغطرسةً. رَجُلٌ شَامِخٌ: مُتَكَبِّرٌ

الانتباه لهذا اللفظ ليس مزحا، بل هو محاولة لأجل الانفكاك من تلك المصفوقة الكلامية الفارغة التي جوهرها المبالغة والتفخيم الزائد لما تنجزه السلطة القائمة.. فتلك المبالغات والتهويل سوف يتم التعرف عليها من الناس لأنها تحت أبصارهم وهم يعرفون مدى حجمها وحقيقتها، والأيام كفيلة بفضح وكشف من يوصف بالشامخ وتوصف مواقفه بالشموخ.

كان الأوفق والضروري هو أن يتم توصيف الأشخاص والآراء والمواقف بما يتناسب مع حقيقتها وأثرها بشكل واقعي بعيدا عن التضخيم والتهويل.. الذي يؤدي إلى الغلو والإفراط في وصف الشيء بما هو مرفوض عقلا وعادة.. فالمبالغة والتهويل في أساسهما تشوّه معرفي إدراكي للوقائع وسلوك منافق لأجل الارتزاق من السلطة أو لإيهام الناس بأن السلطة القائمة تؤدي أعمالا جليلة.. وعندما يسود فى المجتمع حديث التهويل والتفخيم والتعظيم يصبح الأمر طريقة تفكير وأسلوب حياة شائع ومألوف وتغيب الشفافية وينتشر الكذب والنفاق.

وللأسف وبعد عقد من الزمان استمرت ثقافة التضخيم والتفخيم حتى اليوم، فبعد "الإنجازات الحضارية العملاقة" و"الفردوس الأرضي" و "الفاتح العظيم والمجيد" ها نحن نشهد "المباركة والمأمورة" و "فخامة المستشار"
و "رجل بحجم وطن" و "مدينة بحجم وطن".. إلخ.

التواضع والشفافية ووصف الواقع كما هو دون مبالغة فضيلة يجب الحرص على نشرها والأخذ بها لأن الوهم لن يغنى عن الحق شيئا.