Atwasat

العلمِ .. وليس بالعَلمْ

محمد عقيلة العمامي 6 أيام
محمد عقيلة العمامي

يستهل الدكتور غالي شكري كتابه القيم "المثقفون والسلطة" قائلا: "من المفارقات النادرة في التاريخ - إن لم تكن مستحيلة - أن يولد المثقف "الحديث " في مصر من خضم العلاقة المعقدة بين عسكري أجنبي، ظل أميا حتى الأربعين من عمره، وهو محمد على، ونقيب أشراف مصري تعلم قليلا في الأزهر، ولم يؤلف كتابا واحدا، ولم يشتغل بالفكر أو الكتابة وهو السيد عمر مكرم .. ".

العسكري هو "محمد على المسعود بن إبراهيم آنما قوللي-الألباني-"، وهو بالفعل مؤسس دولة مصر (العلوية) ورئيسها من سنة 1805 حتى 1848 ثم تولى أبناؤه وأقاربه وأحفاده حكم مصر حتى قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 ومن بعد سنة من توليها السلطة، ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في مصر وترأسها الرئيس محمد نجيب في 18/6/1953، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية، وتولى مجلس قيادة الثورة رئاسة الجمهورية، حتى سنة 23 يوليو 1956 وهو تاريخ تولى الرئيس جمال عبدالناصر رئاسة جمهورية مصر العربية حتى وفاته يوم 28/8/1970

وعلى الرغم من أن محمد على لم يصبح واليا إلاّ بعد صدور الفرمان من السلطان العثماني، لأن الشعب المصري، اختاره، بجهد عمر مكرم وعلماء الأزهر، فهم الذين أوصلوه إلى القلعة وعزلوا خورشيد باشا! "فاستقل محمد على بمصر، ولم تستقل مصر بمحمد على".

وأنا لست بصدد مناقشة عصر محمد على، وإنما مناقشة المفارقة نفسها، التي فسرها الدكتور غالي شكري، تفسيرا واضحا، وبسطر واحد، في الفقرة التالية، وبات يصعب اعتبار ما حدث "مفارقة". فلقد روي عن القنصل الروسي "دوهاميل" أنه قال: "إن مصر حين تولاها محمد على لم يكن بها أكثر من مائتين يعرفون القراءة والكتابة!" لو قلنا أن حكم أجنبي لبلاد ليست بلاده يحدث في الغالب عندما يغيب العلم ويعم الجهل لَما كانت هناك مفارقة .
هل يتصور أحد، الآن، من بعد أن أصبحت النسبة معكوسة، إذ إن من لا يعرفون القراءة والكتابة، في مصر، قريبة من المئتين التي ذكرها القنصل الروسي، فأي عسكري أجنبي، ليس من أهل البلد يستطيع أن يقيم دولة في بلاد ليست بلاده، وأهلها متعلمون؟ أعتقد أن ذلك أمر مستحيل، وبالتأكيد أن السبب هو غياب العلم.

وفي تقديري أنه حتى الذين لا يتفقون مع سياسات عبد الناصر ليس بمقدورهم أن يطعنوا، أو لا يتذكروا قانونه بشأن مجانية التعليم، وفتح المدارس والمعاهد والجامعات أمام عامة الشعب، بدون اشتراطات، من بعد أن كانت مقتصرة على طبقة دون غيرها.
والواقع أن ليبيا لم تكن تضع أية اشتراطات أمام مواصلة العلم لا في العهد الملكي، ولا في بداية ثورة سبتمبر، التي والحق يقال أنها فتحت أبواب التعليم العالي على مصرعيه، ولكنها قفلتها من بعد خطاب زواره يوم 22/6/1997، الذي ألغى القوانين، وقيام سلطة اللجان الثورية، ومباركتها لوصول المرشح لأبواب التعليم العالي.

فماذا أريد أن أقول؟
كل الإنجازات الكبيرة سواء أكانت عظيمة أو كارثية أساسها "حلم " والبشر بطبعهم "حلامون " والحلم يتحقق إن كان الحالم مجتهدا في تحقيقه، خصوصا إن كان منطقيا، متوافقا مع ظروف بيئته وصلابة مكان وحيثيات تحقيقه. وأنا أحتاج لمثال يوضح ما أعنيه - حالما، في الوقت نفسه- بألاّ يشطح المفسرون ويذهبوا بعيدا في ربط مثلي بغير ما أقصده.

لقد أصبح الجيش في الدولة، التي "حلم" بها محمد على، هو الركن الأساسي في الدولة العلوية، ولم ينته، إلاّ بجيش مصري العقيدة والهوى قضى عليها، من بعد أن استمرت حوالي قرن من الزمن. هذه المرة كان الجيش مصريا والذين التفوا حوله مصريين، ولم ينل موافقة من دولة خارجية، فقامت دولة مصر الحديثة بتنوعها الإسلامي والقبطي والعروبي.

وعبر نجاحات، وأيضا "نكسات" لم تترنح، لم تسقط، وإنما ظلت تتطور باستمرار. وفي تقديري أن سبب هذا النجاح، هو "حلم" ثابر عليه ثوار ثورة 23 يوليو، وقاده ثائر مسلم عروبي الهوى هو جمال عبد الناصر. وفي تقديري أن سبب نجاحه قاعدة ثابر عليها وحقها في زمن قصير، من خلال مشروع مجانية التعليم، ومن رحمها توالى التعليم الخاص، بكل اللغات والأفكار. وعلى سبيل المثال، في معرض الكتاب السنة الماضية، وفي الركن الصيني، رأيت موظفين وموظفات، مصريين يتحدثون مع زوار صينيين باللغة الصينية وبطلاقة، وسألتهم فأجابوني بأنه ثمة أقسام في الجامعة لتعليم عدد كبير من لغات العالم، وأيضا مدارس خاصة. وانا أعلم أن مؤسسة صحفية، احتاجت إلى مترجمين من اللغة العبرية، إلى العربية فتقدم لشغل الوظيفة عدد كبير. وما أوردت هذين المثالين إلاّ للتدليل على تنوع الأبواب التي فتحت على الآخرين.

لقد فتحت مصر شبابيكها على العالم كله، لم يعد ثمة خوف من سلطة فكر يخشاه وطن يحترم الأديان كافة، والحريات والقناعات، وحرية الإنسان، جاعلين من الآية الكريمة " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" قاعدة في علاقتهم بالآخرين. وكان سبيلهم إلى ذلك العلم، ولم يبتعدوا عنه لأي سبب من الأسباب، في ظل جيش وطني قوي يحمى قناعاتهم بذلك.

ومنذ انطلاق ثورة فبراير، وتوالي الاحتدامات، والصراعات، والاقتتال، سمعت الكثير من الأطروحات والأفكار والحلول للخروج من مأزق الحالة الليبية، أخذتني منها وجهة نظر محددة، بسيطة ومباشرة، انتبهت إلى أنها أساس المشكلة الليبية.

وجهة النظر هذه تقول، وباختصار شديد، إن ابتعادنا عن التحليل العلمي المُمنهج هو من أهم أسباب المشكلة الليبية. فلقد فسرها الدكتور عمر العفاس، باختصار، في مقابلة أجرتها معه قناة الوسط الليبية، من خلال برنامج "يحكى آن" فقال ما معناه: "أن تجاهلنا للعلم وعدم تطبيقه لحل المشكلة الليبية من خلال جوانبها الاقتصادية، والديمغرافية والفكرية هو ما زاد مشكلتنا تعقيدا ".

في ليبيا، الآن، لدينا اتجاهان بشأن الجيش: اتجاه اعتمد على اتفاقيات لحماية مقر الدولة والشوارع المحيطة بها، من خلال قواعد قوية التسليح، واتجاه يعمل من أجل قيام جيش وطني قوي، قوامه أبناء الوطن ولا ينكر أنه يعتمد على خبرات ومعونة ممن تعلموا من تجربة مماثلة. الاتجاهان لا يختلفا كثيرا عن تجربة مصر، وكان البقاء والنجاح هو لذلك الذي اعتمد على أبنائه، واضعا العلم، صوب عينيه، فاتحا نوافذه على العالم، وتعلم منه كيف يفكر؟ وكيف يفسر؟ وكيف يعالج؟ وكيف يبتكر؟ فخرج من تحت سلطة غيره.

ونحن لنخرج ببلادنا من أزمتها، يتعين علينا أن نعتمد على سواعد أبنائنا، وأن نحيمها بنور العلم، وليس بالعودة إلى قانون المطبوعات ومراقبتها، لأن الذي يفرض مثل هذا القانون يرى أن "الأمن، والرخاء والاستقلال لا يتحقق إلاّ بفكره هو فقط دون سواه ".
خروجنا من نفق مأزقنا لا يتحقق إلاّ بالعلم...العلم، وليس العَلمْ !