Atwasat

عريضة بواقع الحال

جمعة بوكليب 4 أيام
جمعة بوكليب

إذا كان «خبطتين في الراس يوجعوا»، كما يؤكد مثل شعبي، فما بالك، إذاً، بأوجاع ست خبطات متتالية، واحدة تلو أخرى، على رأس واحد، ومُقسّمة على أوجاع ثلاث هجرات، ومرارة غربتين، وأخيراً، ألم حرمان وفقدان؟!

أولها، وأهونها، هجرة مختارة من بلاد كانت مختنقة بالاستبداد، بمساحة مترامية، وبرأس محرور ملقى في مياه بحر على شاطئ، على ساحل نحيل، وجسد ملتهب في صحراء حارقة، إلى بلاد على شكل جزيرة صغيرة، تقع ما وراء البحر، كانت، يوماً ما، إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ثم انكمشت، جغرافياً وسياسياً، لأسباب عدة، لكنها ظلت تجيد اللعب بذيلها كعقرب في ميادين السياسة، وما زالت تعدُّ متقدمة صناعياً، وعلمياً وثقافياً، وقِبلةً لكل من ينشد الحرية، أو الصعلكة.

وهي، أيضاً، هجرة من قارة تنوء بتاريخ طويل من القهر والأوجاع والاستعمار والاستبداد والاستغلال والفاقة والحروب الأهلية إلى أخرى تسمى بالقارة العجوز، تنوء تحت ثقل تاريخ دموي من حروب بلا حد: أهلية، ودينية، وقومية، واستعمارية، وثورية، لكنها، مقارنة بالسابقة، تعيش في نغنغة اقتصادية. وعبرتْ، منذ زمن، بسلام، هاوية السؤال، وقطعتْ العلاقة مع السماء، وما زالت لم يسخطها الله، أو يغرقها في البحر.

وثانيها، وأكثرها تعقيداً وامتحاناً للهوّية، هجرة من لغة بجناحين مقصوصين، ومشدودة بالنار والحديد، إلى ماض أفقدها روحها، ومنع عنها الماء والهواء، إلى لغة شابة، مرنة، مفتوحة الأبواب والنوافذ على رياح من كل الاتجاهات، تتفاعل مع الدنيا وتغيراتها. ومن ثقافة لم تخرج بعد من مراعي السذاجة، حيث القنافذ تتكلم بفصاحة وطلاقة، والماعز بلا أجنحة يطير، إلى ثقافة متعددة، بألوان عديدة، تتنفس بحرية من كل الجهات، وجريئة، ولا تناوئ السؤال.

الهجرتان، ابتدأتا في وقت واحد، من دون المرور بفترة انتقالية، أو كما يقول المثل، «من الكوريك لباب النار».

على عكس الهجرة الأولى، كانت أولى الغربتين، مبكرة، وأشد قسوة على الروح، ولم تخرج حدودها عن إطار المكان الأول، ولم تفارق قبة السماء الأولى، وداخل أبجدية اللغة الأولى. غربة التهمت أجمل ما في العمر: طراوة الشباب وبهجته وطموحه، وأحالت ضجيج أحلامه إلى فراغ يشبه سكون المقابر، ووأدت أسئلته.
أما الثانية، فهي المُطهّر، أو محنة المرور من خرم إبرة الربع الأخير من العمر إلى محطته النهائية. وهي، لمن لم يصلها بعد، ويتذوق مرارتها، غربة كأيادي أخطبوط،، تلتف بالبدن فتشده وتعيق حركته، وترهقه، وبالروح فتقيّدها، وتخنقها. وهي، كذلك، غربة بشباك وفخاخ عديدة، وقادرة على تحويل ما بقي من أيام في سانية العمر المقفرة، إلى حقول ألغام مميتة.
ألم الحرمان والفقدان، خبطة غير متوقعة، على رأس تكسّرَ فوقه «قِلاّلْ» كثير. وهو ألم يصيبك، فجأة، وأنت تستعدُ لخوض الدخول في دوامة مغامرة أخيرة، من عمر أدركته النوائب، ما ظهر منها وما خفي.
الألم المقصود هو ألم فقدان الوطن، في وقت أحوج ما يكون فيه قلب مكتهل إلى وطن، وإلى ملجأ آمن يؤوب إليه، في آخر النهار، ليستريح ولينام هانئاً.
ألم فقدان الوطن ليس له حدود. وأن تعيش بلا وطن، يعني أن تكون ريشة في مهب ريح، بلا مستقر.
الوطن الذي حلمنا به طيلة أربعين عاماً، كان أقرب إلى التحقق، في فبراير 2011، وكاد يكون حقيقة، ثم رأيناه جميعنا، بأم أعيننا، يخطف من بيننا، وتقطع جثته، ويتوزع دمه في كل اتجاه.

غربة الربع الأخير، لسوء الحظ، شهدتْ انبثاق موجة الهجرة الثالثة. وهي هجرةٌ مختلفة، لأنها هجرة حدثت داخل إطار الهجرتين الأولى والثانية، وتُعدُّ، بشكل ما، امتداداً لهما، وأعني بها هجرة بلا علم، ولا مواهب، ولا استعداد، ولا قدرات، في مجرّات التقدم التكنولوجي المذهل، والدخول إلى عصر الإلكترونات، وسيطرة الإنترنت، والهواتف والحواسيب الذكية.

الهجرة الثالثة هذه، قصدتني ولم أطلبها. اقتحمتني ولم أقدر على صدّها. أربكتني في وقت ظننت فيه أن العالم تحت سيطرة إرادتي، وفي انتظار تعليماتي، وغرّبتني مرّتين: عن حياتي وما يحيط بها من تفاصيل مرة، وأخرى عن أولادي وأجيالهم، فصرتُ، مشرداً، كنازح في بلاد مفتوحة على كل الاحتمالات إلا السلام والاستقرار, وجعلتني أعيش في عالم أقدر على اللحاق به لشدة سرعته، والأهم من ذلك أنه لا يقبلني، ويجعلني أعيش متجاهلاً على هامشه، ويواصل سيره من دون إبداء أي اهتمام بي!

فما العمل؟