Atwasat

كيف يمكن أن تساعد السردية الوطنية لليبيا في بناء السلام (3- 4)

الزهراء لنقي 6 أيام
الزهراء لنقي

خامسا: الحلول الودية والتوافق
إن لدى غالبية الليبيين احتراما خاصا لروح التوافق التي سادت بين جيل الآباء المؤسسين الذين أسسوا دولة الاستقلال، ولديهم شعور بالارتياح أن تأسيس الدولة الليبية المعاصرة لم يرتكز على المحاصصة واقتسام السلطة. يمثل ميثاق الحرابي الذي اجتمعت قوى الأمة الليبية عليه عام 1947 تجسيدا لروح التوافق هذه. لعل أهم ما يميز هذا الميثاق التاريخي أن الساحة الداخلية كانت تشهد بعض الخلافات بين بعض القوى السياسية والقبائل. لكن قيادات هذه القوى السياسية توافقت فيما بينها على ألا تؤثر هذه الخلافات في عملية بناء الدولة الجديدة. كما تمثل عملية وضع دستور الاستقلال نفسها تجسيدا لروح التوافق.

وخلال الحقب الماضية، كانت هناك آثار مهمة لرسوخ الحرص على التوافق في الوجدان الليبي الجمعي. أهم هذه الآثار أنه أعاق محاولات فرض سياسات تنطوي على إكراه سواء على مستوى المجتمع ككل أو على مستوى النخبة. كما حال الإيمان بالتوافق دون استمرار السياسات التفضيلية المبنية على الفرض والإكراه. مثلا، خلال مرحلة السلطنة العثمانية وخلال مرحلة الحكم الفردي (1969-2011)، تبنت السلطة سياسات تفضيلية بين الأقاليم الثلاثة على مستويات مختلفة أبرزها توفير الخدمات، وتوزيع الثروات، والتنمية. وقد فرضت هذه السياسات على الأقاليم فرضا. وفي الحالتين، استمرت المعارضة التي أبداها كل إقليم من الأقاليم الثلاثة في مواجهة الغبن الذي رأى أنه أصابه. ومنذ بدء المرحلة الانتقالية، كان الإخفاق مصير جميع محاولات بعض القوى السياسية لفرض أجندات المحاصصة واقتسام السلطة فيما بينها. كما واجهت محاولات فرض دستور على الأمة الليبية أزمة كبيرة.

ما هو دور رسوخ الحرص على التوافق في وعي الليبيين في المستقبل؟ إنه يبشر بأن هناك فرصا للوصول إلى توافقات جديدة تنهي النزاعات وتؤدي إلى الاستقرار. كما يبشر أن الليبيين قادرون على الوصول إلى حلول توافقية فيما يتصل بالتداول السلمي للسلطة.

سادسا: الدمج بين القانون والأعراف وتفضيل تسوية النزاعات بالطرق الودية بناء على طبيعة تكوين المجتمع الليبي، فهناك دائما تفضيل للدمج بين القانون والأعراف وحرص على تسوية النزاعات من خلال الطرق الودية لتسوية النزاعات بجانب تسويتها بالطريقة الجبرية من خلال القضاء. إن لدى الليبيين ميراثا غنيا للغاية من الأعراف. وإن لدى التكوينات الاجتماعية لاسيما القبائل والعائلات الممتدة والمُكونات الثقافية (العرب والأمازيغ والتبو) أعرافا محلية مختلفة. وعبر مئات السنين، ظل الليبيون يعتمدون على الأعراف المحلية بجانب اعتمادهم على القوانين الرسمية، وذلك نتيجة طبيعة التكوين السكاني وطبيعة توزيع السكان وقوة حضور التكوينات الاجتماعية. وقد اعتمد الليبيون على أطر عديدة لتسوية النزاعات بالطرق الودية استنادا لمزيج من الأعراف والقوانين. تتضمن هذه الأطر مجالس التحكيم والصلحة والوساطة. ويمارس تسوية النزاعات بالطرق الودية رجال ونساء أيضا. وفي العقدين الماضيين ازداد عدد مراكز تسوية النزاعات بالطرق الودية. ويمارس تسوية النزاعات فيها خبراء قانونيون ومهنيون آخرون من النساء والرجال.

إن من آثار تفضيل الأعراف المحلية وتسوية النزاعات بالطرق الودية أنه قد تسنى لليبيين تسوية الكثير من النزاعات المحلية والوطنية بالطرق الودية استنادا للأعراف المحلية. وقد أسهم في هذه التسويات رجال ونساء.

هذا، ولعله يمكن لليبيين التوسع في توظيف الأعراف لإخماد الخلافات والنزاعات القائمة. وهذا يشمل النزاعات على المستوى الوطني والنزاعات بين القبائل، والنزاعات بين المدن. كما إن هناك حاجة لتضمين بعض الأعراف التي ثبت أن هناك حاجة لها ضمن البنية التشريعية لمعالجة النقص التشريعي والقصور التشريعي في بعض النواحي.

سابعا: جذور مشتركة فيما يتصل بالمشاركة العامة
يجمع الليبيون، أو على الأقل غالبيتهم، على الانتساب لجيل الرواد الذي أسهم في تأسيس دولة الاستقلال وإعادة تعريف الأمة الليبية لاسيما خلال نهاية الأربعينات والخمسينات ويعتبرونهم آباء مؤسسين. لقد ساهم عدد كبير من الليبيات والليبيين في الانتقال بليبيا من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة الاستقلال. هؤلاء الرواد والآباء المؤسسون يتضمنون قيادات من النساء والرجال ترجع أصولهم للأقاليم الثلاثة، وينتسبون لمختلف الشرائح سواء وفقا للمعيار الاقتصادي أو المعيار الثقافي. كما إنهم ينتسبون إلى مختلف التكوينات الاجتماعية الطبيعية من قبائل وعائلات ممتدة وأسر. جيل الرواد والآباء المؤسسين هذا ينتسب إلى الأجيال السابقة التي أسهمت في المخاض الطويل الذي أسفر عن تأسيس ليبيا المعاصرة. أيضا، جيل الرواد والآباء المؤسسين هذا أرسى وأطلق الكثير من المبادرات ذات الطابع التأسيسي في الحيز العام. هذه المبادرات التي أصبحت جزءا من أسس البنيان الليبي العام الذي استمر حتى اليوم. وكثير من الليبيات والليبيين خلال العقود الماضية تأثروا بهذا الجيل على المستوى الشخصي واعتبروا رموزه مصدر إلهام لهم. كما إنهم استفادوا من جهود الآباء المؤسسين ومبادراتهم وبنوا عليها. على أنه لا يستفاد من هذا الكلام أن جميع الليبيين لديهم إجماع على كل واحد من جيل الرواد أو الآباء المؤسسين بصفته الشخصية. هناك تنوع وربما اختلاف. لكن هناك إجماع نسبي على الانتساب للجيل التأسيسي ككل بصفته المعنوية.

وخلال المرحلة الماضية، كانت هناك آثار مهمة للاشتراك في الانتساب لجيل الرواد والآباء المؤسسين. لقد وفر ذلك قدرا من المناعة ضد محاولات غرس نزعة الانقسام في المجتمع. كما وفر مناعة ضد محاولات فصل المجتمع الليبي عن أسلافه.

إن الانتساب لجيل الرواد والآباء المؤسسين يمثل عاملا مرشحا لتعزيز بناء السلام. إن اتساع نطاق استدعاء جيل الآباء المؤسسين ورموزهم سيتيح للذاكرة الجمعية التعافي. كما إنه سيمثل جسرا يربط بين بعض التيارات التي بينها مسافات واسعة نتيجة الخلافات السياسية.