Atwasat

الطموح الجيوسياسي لتركيا

تامر الهدار الأربعاء 08 يناير 2020, 02:34 مساء
تامر الهدار

يقول اللواء المصري أشرف رفعت رئيس شعبة عمليات القوات البحرية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 في مقابلة نشرتها صحيفة صدى البلد بتاريخ 13 أكتوبر 2012، أنه خلال حرب أكتوبر فاجأت مصر إسرائيل بإغلاق مضيق باب المندب وفرض حصار عليها عبر نشر قطع حربية بحرية مصرية في مدخل المضيق، لتعترض مرور سفن النفط والسفن التجارية إليها، وكذلك من ذات الخطة نشرت مصر قطعا حربية بحرية قبالة السواحل الليبية - المالطية لنفس الغرض..

المتابع الجيد للسياسة الخارجية التركية، يمكنه بوضوح ملاحظة الخطة التوسعية وخطوات تمددها في القوقاز وآسيا الوسطى والقرن الأفريقي والخليج العربي والبحر المتوسط، تركيا التي تصفها أوروبا بـ«المستفزة» والتي أصبحت تجيد اللعب على المتناقضات في مصالح الدول.

السياسة التركية دخلت مرحلة جديدة منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في 2003، وكانت السياسة التي انتهجتها الحكومة هي سياسة «صفر مشاكل مع العالم» والتي كان مهندسها وزير الخارجية الأسبق أحمد داوود أوغلو، أخذت تركيا في هذه المرحلة اهتماما ببناء نفسها من الداخل ومحاولة إعادة رسم صورة تركيا الخارجية بشكل أنيق، اهتمت تركيا بالدبلوماسية الناعمة في حلحلت قضاياها، وكذلك استثمرت في الدبلوماسية الثقافية وسيلة للتقارب مع شعوب العالم الأخرى عبر التبادل الثقافي مع الدول، خصوصا آسيا الوسطى وأفريقيا والشرق الأوسط، كما كان للتلفزيون والسينما عبر إنتاج المسلسلات ذات الطابع الاستخباراتي والذي يكشف تآمر العالم الغربي المتمثل في الماسونية على الدول الإسلامية مثل مسلسل وادي الذئاب، والمسلسلات التاريخية والتي تروي أمجاد قيام الخلافة العثمانية مثل قيامة أرطغرل والذي حقق أكثر من مليار مشاهدة.

المرحلة الثانية ابتدأت مبكرا في عام 2011، مع بداية التغيير المتسارع في منطقة الربيع العربي، جعل تركيا تدخل بسياستها الخارجية التوسعية الجديدة، واللعب على المصالح المتناقضة للدول لصناعة نفوذ خاص بها، فسياسة صفر مشاكل مع العالم قد ولت، فلا غنيمة دون صراع ولا نجاح دون أعداء.

 التوسع التركي في الشرق الأوسط وأفريقيا
تركيا في السنوات العشر الأخيرة تحاول تقوية بنيتها العسكرية والاقتصادية عبر سياسات داخلية وخارجية مدروسة، حتى تفرض نفسها كقوة قادمة في المنطقة.

تملك تركيا قواعد عسكرية مهمة في قبرص والعراق وسورية والصومال وقطر، كما وقعت عدة اتفاقيات دفاع وتعاون امني مشترك مع أثيوبيا 2013 وصادق عليها البرلمان الأثيوبي 2015 وقطر 2017 والكويت 2018 و ليبيا «طرابلس» 2019. بالإضافة إلى دراسة تركيا بناء قاعدة عسكرية في السودان والاهتمام بصناعة علاقات جيدة مع ديجبوتي التي تحتضن أكبر مركز مخابرات أمريكي في الشرق الأوسط.

مما سبق وبالنظر إلى موقع هذه الدول على الخارطة الجغرافية للعالم، سنرى أن تركيا تختار مواضع أقدامها في العالم بعناية، فهي تمتلك قواعد عسكرية في الممرات المائية المهمة في الشرق الأوسط وأفريقيا، فهي موجودة على البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي والآن في البحر المتوسط، مما يجعل لها تفوقا عسكريا مستقبليا في المنطقة، وما يدعم هذه القراءة هو اهتمام تركيا بالصناعات الحربية الثقيلة محليا، فهي نجحت في بناء سفنها الحربية الخاصة في إطار مشروع ميلغم لتصنيع السفن الحربية التركية، كما احتفلت ديسمبر الماضي بإطلاق «بيري رئيس» أول غواصة تركية محلية الصنع، والانطلاق لصناعة خمس غواصات حربية إضافية.

ولكن السؤال: كيف تسمح الولايات والمتحدة وإسرائيل لإقامة قاعدة عسكرية تركية في منطقة تهدد الأمن القومي لإسرائيل، إلا إذا كان وجودها لا يشكل أي خطر يهدد أمنها، أليس كذلك؟!

فإذا ما سلمنا بهذا التخمين فإن السواحل الليبية - المالطية هي أيضا خطر على الأمن القومي الإسرائيلي حسب أحداث حرب أكتوبر 1973، وهذا يعني أن وجود قاعدة عسكرية في طرابلس بنفس القياس يخدم المصالح الأمريكية ولا يضرها وهذا بالطبع إذا مع تجاهلنا أي معايير أخرى، أما من مبدأ التوسع العسكري التركي فلا مجال للشك في أن غرب المتوسط موقع استراتيجي يخدم مصالحه وخططه ونفوذه في المتوسط.

ماذا عن الموقف الروسي؟
تحول المتوسط إلى طاولة مفاوضات عالمية وسوق للمقايضة، تحرك المصالح بين الدول في شكل تقارب وتباعد جديد، يرسم صورة جديدة للاصطفاف الدولي إزاء القضايا الموجودة في العالم.

العلاقات الروسية - التركية
من المعلوم أن المصالح بين الدول متغيرة. هناك مصالح تتقارب وأخرى تتباعد، ولكن العلاقات الروسية - التركية على أحسن مستوى، بل أعتبر أن روسيا هي من تحافظ على تقوية تركيا في الشرق الأوسط وأوروبا، وبالتالي يصبح نفوذها أقوى في تحالف النيتو مما يخدم مصالح روسيا بعرقلة أي قرارات للنيتو تهدد مصالح روسيا، كما حدث مؤخراً بالتصويت على نشر منظومة دفاعات جوية أمريكية «باتريوت» في منطقة النيتو وصوتت تركيا بالرفض.

إنقاذ روسيا لتركيا من محاولة الانقلاب يوليو 2016 عبر تسريب معلومات الانقلاب إلى أنقرة، وكذلك مؤخرا بيع روسيا لمنظومة الدفاع S400 لتركيا، يفصح عن تقارب ورضى روسي - تركي.

تقوية تركيا إلى حد ما، وإضعاف أوروبا وجعل الاتحاد الأوروبي مختلفا حول نفسه ومتنازعا حول العديد من القضايا، يضعف حضوره ويقوض نفوذه، وضعف هذا الاتحاد تمكن قراءته على أنه يصب في صالح الولايات المتحدة الأمريكية أيضا.

ماذا عن المواجهة المصرية - التركية؟
في حقيقة الأمر أن مصر تعي أن الوجود التركي أصبح يحاصرها من كل جانب، وفي طرابلس قد يعني في المستقبل حصار مصر على مستوى الممرات المائية، وأما المواجهة بين تركيا ومصر فهي موجودة بخصوص سد النهضة في إثيوبيا من 2013، والذي يعتبر من أهم قضايا الأمن القومي لمصر.

إثيوبيا قامت ببناء سد النهضة، والذي بدوره يهدد أمن مصر المائي واستقوت بتركيا للدفاع عنها في حال أي استهداف مصري لسد النهضة.

لم تحدث مواجهة عسكرية بين مصر وتركيا في إثيوبيا حتى الآن، لماذا؟ وهل ستكون ليبيا استثناء؟ ولماذا تكون ليبيا استثناء؟!

أسئلة كثيرة تحتاج للكثير من البحث والتحليل.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات