Atwasat

من سرق ليبيا؟

أحمد الفيتوري الأربعاء 06 نوفمبر 2019, 01:34 مساء
أحمد الفيتوري

(1)
ليبيا بلاد مسروقة، إلى درجة أن لا أحد يذكرها، تنبهوا لمن يتكلم عن شمال أفريقيا، أو من يذكر المغرب العربي، إلى درجة أن يتم الحديث، عن الدول النفطية دون ذكرها، عن الربيع العربي، عن الأحوال الجوية، بل إن من الليبيين من ينكر هذه البلاد، لخمسين سنة خلون، يذكر القذافي وأفعاله الغرائبية، دون أن ينسب لليبيا، هو نفسه كان مبسوطا بذلك، ولعل الكثير من الليبيين يشاركونه ذلكم الانبساط، فلم يكن ذكره طيبا، حتى يؤسف على فقدانه النسب، وأن لا وطن له، على أي حال.

اللبنانيون، العراقيون، السودانيون، وحتى تونس والجزائر، في الموجة الثانية، من الربيع العربي، خرجوا متظاهرين جميعا، ضد من سرقوا مال بلدانهم، لكن لم يجرؤ أحد، من لصوص المال، وحتى سراق السلطة، على سرقة البلاد، لكن ليبيا تمت سرقتها، دون أن يعترف أحد بالسرقة، ولا حتى أي اعتراف، بأن هناك جريمة كبرى: بلاد مسروقة، في حجم ليبيا، في الجغرافيا، النفط، في حجم الكتاب الرابع من تاريخ هيردوت، في حجم شيخ الشهداء عمر المختار، أرض رئيسة، في الحروب الكبرى الأوربية الأولى والثانية، استقلال ساهمت فيه الأمم المتحدة أيضا، بأول قرار في تاريخها، لمنح دولة استقلالا، في نوفمبر 1949م.

هذه السرقة جعلت من ليبيا بلادا مفقودة، كما قارة أطلس، أو فلسطين ما جعلتها أوروبا: غيتو لمواطنين منها، يختلفون في الدين، وأسموها إسرائيل، لكن ليبيا المسروقة، دولة بعلم، مقعد في الأمم المتحدة، اعتراف دولي، جواز سفر، ومندوب سامٍ يدعى غسان سلامة!.... وهلم جرا.

(2)
إذا كانت ليبيا دولة مسروقة، فلم يعترف أحد بذلك، سكانها أنفسهم، لا يولون ذلك أي اهتمام، رغم المكابدة والمعاناة التي يعيشون، رغم أنهم قدموا فداء من أجلها الكثير، منذ الاحتلال الإيطالي، فسرقة القذافي للسلطة في أول سبتمبر 1969م، ثم ثورة فبراير 2011م، ما كانت ثورة مشهودة، وما يعيشونه منذ هبتهم العظيمة في ثورة فبراير، التي منذها وورثة القذافي، يعيثون في البلاد فسادا، مساهمين في توكيد سرقة ليبيا، دون رقيب ولا حسيب، بدعم إقليمي ودولي معلن، بل إن هؤلاء: الإقليمي والدولي، يتعاملون مع المسألة الليبية، على أن ليبيا أرض دون شعب، وعلى هذا يتناطح، الفرنجة والرومان وحتى العثمانيون، من أجل ضمها لممتلكاتهم، بفجاجة عصر الاستعمار القديم.

وهذا يجعل ليبيا غنيمة، سرقت منذ زمن، والعراك حولها، ما يجعلها تظهر بين الحين والآخر، خاصة حين يفكر ترامب، القائد الحالي لدولة الإرهاب الدولي، كمأوى تارة لبغدادي وأخري لخليفته، ولذلك يفعل كسلفه ريغان، بجعلها مرمى وساحة لتجريب طائرات حربية مجهولة النسب، وقنابل مستحدثة لقتل الأفراد، واختطاف إرهابيين منهم، من مدنها وشوارعها وفي وضح النهار.
ساهم هذا كله، في جعل الليبي، في حالة انتظار لـ (غودو)، من يأتي ولا يأتي، فحينا يعتبرون (غسان سلامة) البشير بالمجيء، وحينا آخر بأنه البشير باللا مجيء، ومن هذا يعيشون باستماتة، حالة أن الحل اللا حل. وكأن ليبيا المسروقة ليست بلادهم، وأنهم ليسوا هم، من سُرق يومهم وغدهم، من سرقت روحهم، وأن ما يقدم إليهم، من المتحاربين بالوكالة في الداخل، ومن موكليهم في الخارج، أضغاث أحلام، مجرد سراب، رغم أنهم أبناء الصحراء الكبرى، وبالتالي خير العارفين بالسراب.

المستفيدون من سرقة ليبيا، ومن سرق ليبيا، لن يفصح بجريمته، بل سيطلق الحجب، فالدخان ما يعمي البصر، ويذهل البصيرة، فتشييد محافل للكلام في الكلام، لتصم الآذان ويغشى العقل، فيكون رسولهم (غسان سلامة)، خير مبدد لكل جهد ووقت ومال، فالأمم المتحدة قدمت لنا مرة منحة، في زمن غير الزمن، ورجال غير الرجال، وتلكم المنحة فرصة يتيمة، لم تعد من مهامها، في العصر السبراني، ما يتحكم فيه (ترامب) بتغريدة، يغردها ويغرد عكسها في الآن.

بذا وغيره ما نعرف، ليبيا مسروقة منذ نصف قرن، ولم نستعدها رغم محاولة فبراير، ومادامت مسروقة فلا وجود لنا، وحتى (نكون أو لا نكون)، حسبما قولة شكسبير، فإن هجاء حالنا لن ينجينا، فالعويل ليس فعلا على أي حال، وما أصعب أن يكون الكائن، من المهد إلى اللحد، فما بالك باستعادة ليبيا المسروقة.