Atwasat

المنسي في الثورة

سالم الكبتي الخميس 25 أبريل 2019, 01:29 مساء
سالم الكبتي

(أيها الإنجليز: لكم اْن تحاكمونا ولكن ليس لكم أن تحكمونا

(أحمد الباسل)

مارس 1919 منذ مائة عام. مصر بداْت في الغليان. انطلقت الثورة وتحركت صوب كل الاتجاهات. الفيوم والمنيا اشتعلتا على وجه الخصوص. الطرق والكباري والغيطان وأبراج الحمام والأسقف الطينية وسكة الحديد وكل شيء في مصر المحروسة ناله اللهيب والغضب. كان الإنجليز نفوا الزعماء الْأربعة في حزب الوفد: سعد زغلول ومحمد محمود وإسماعيل صدقي وحمد الباسل. وحين ااشتعلت الثورة والتهبت أفرج عنهم وعادوا في أبريل 1919. كان نفيهم قبل ذلك بعام في 1918.

إسماعيل صدقي أصوله من بيت الطيور الذي يعود إلى قبيلة الفواخر الليبية. اختير لاحقا رئيسا للوزراء في مصر وهو الذي وقع اتفاقية الحدود الشهيرة مع الطليان عام 1925. وحمد الباسل من قبيلة الرماح. من المرج وماحولها في الجبل الأخضر. ليبيان صميميان في الأصل والجذور.

الباسل ولد في الفيوم عام 1871 وتوفي ودفن بها يوم الجمعة التاسع من فبراير 1940. رجل من طراز آخر. بدوي فارس. مثقف وصاحب وجاهة وكاريزما. يمتليء حماسة ووطنية وعروبة. من القيادات التاريخية لثورة 19 في مصر لكنه يظل منسيا ولايكاد يذكر. ظلموه عندما نسوه وتنكروا لأدواره إلا في مرات قليلة وعلى استحياء. وكأن ذلك الاستشعار عن بعد وليس عن قرب. وحين شاهد المتابعون في التلفاز مسلسل جمهورية زفتي لاح الباسل في ثنايا المسلسل مع رفاقه في المعتقل مجرد شخص يجيد الشخير والنوم وليس له أي دور أو مهمة. ذلك كان غير الواقع. وهكذا يروي أحفاده بمرارة عما يحدث في حق الجد الكبير أحمد باشا الباسل. فلماذا يقع الظلم ويحدث الإهمال في حق هذا الرجل العظيم؟!

الباسل الليبي الأصل (المنسي في الثورة) مثلما يتم تناسي وتجاهل الليبيين الرجال داخل وطنهم وخارجه أيضا. كانت له عدة مواقف وأدوار تاريخية كبيرة. فهو من مؤسسي بنك مصر مع طلعت حرب الاقتصادي المصري المشهور وشقيق محمد صالح حرب رفيق نضال اْحمد الشريف فى السلوم وامساعد ومعارك الصحراء الغربية في تخوم مطروح وبراني ضد الإنجليزأيام الحرب العالمية الأولى.

كان أحد أعضاء مجلس النواب في مصر ووكيله فترة من الأعوام. تعرف على سعد زغلول عام 1908. وفي عام 1906 وضع أول حجر للتعليم بمديرية الفيوم فأنشأ مدرسة أولية لتعليم أولاد الفقراء بالمجان وأنفق عليها من ماله الخاص وأمر بصرف الملابس لتلاميذها ثم أنشأ مدرسة أولية أخرى للبنات وتعهدها بالإنفاق وأسهم مع مبروك الفرجاني الذي كان يدير مدرسة ليليلة لتعليم المواطنين في هذا العمل الخيري المهم ثم أنشأ بجهده الخاص مكتبة في المدرسة هي الأولى في الفيوم إضافة إلى أنه كان من الأوائل الذين كانوا ضمن مؤسسي النادي الأهلي المصري عام 1907.

حل بالعراق عام 1939 أيام الوصي عبدالإله ونوري السعيد وأنهى خلافا مريرا ومعقدا بين بعض القبائل في ضفاف الرافدين. شاعر بالعامية وله كتاب نهج البداوة. كان أيضا وكيلا لحزب الوفد ثم أسس الحزب السعدي تقديرا لرفيقه سعد زغلول. وكان له حلم ظل يكبر في صدره دون أن يتحقق. اهتمام بتوطين بعض الصناعات للشباب وتدريبهم عليها في دمياط تطويرا لهم وصنعا لمستقبلهم. رؤية لم تكتمل. مهام اجتماعية وأعمال وطنية متلاحقة هنا وهناك انقطعت عن تاريخها أجيال متواصلة فى مصر وليبيا وديار العروبة كلها.

الباسل المهيب بلباسه الليبي وسط لندن ومالطا والنمسا حضر المفاوضات وشارك فيها باقتدار مع الإنجليز. تعرض للاعتقال من قبلهم غير مرة وصاح في وجوههم: (لكم اْن تحاكمونا وليس لكم أن تحكمونا). كان ذلك أيام ماكسويل وللكلمة دورها وثمنها أيضا. أيام كان للنضال معنى شريفٌ ونبيلٌ.

دوره المتوالي كان على الدوام عروبيا وليس مصريا فحسب. وكانت ابنته فاطمة الباسل تعلمت منه الشجاعة والبسالة وظلت تقوم باستلام الأوامر والرسائل منه أثناء اعتقاله وتوصلها رغم كل الظروف الصعبة إلى أقطاب الوفد ممن كانوا خارج المعتقل دعما بالمال وساند حركة المقاومة الوطنية في ليبيا وأقام مأتما وعزاء للشهيد عمر المختار وأشار على أحمد شوقى برثائه. كانت ركزوا رفاتك مدوية فى ذلك العام ومابعده تستنهض الوادي والهمم والمشاعر صباحا ومساء. فيما هتف الباسل نفسه راثيا المختار بهذا البيت: (عزاه يوم شايطه فيه نار .. عمر المختار.. الفارس اللى كان ريس أدوار).

شهد بيته سواء في الفيوم أو القاهرة العامر دائما والعابق بأنفاس التاريخ العديد من الاجتماعات واللقاءات الوطنية المهمة التي احتوت النخب والمناضلين والشيوخ والقساوسة والعمد والشباب والنساء من أجل تقرير المصير ومواجهة الغاصب بلا انقطاع ثم تبرع ببيته لاحقا في القاهرة ليكون مقرا لأول سفارة سعودية بمصر.

وعبد الستار الباسل شقيقه وعضو مجلس الشيوخ والوطني هو الآخر لا يقل مكانة ووطنية عن شقيقه أحمد. كان يرتدي اللباس الليبي مع العقال فوق الرأس. شيخ من شيوخ العرب في الفيوم ورجال مصر. تزوج من ملك حفني ناصف التي صارت تشتهر بلقب باحثة البادية. فتحت صالونها في بيت الباسل لتوعية نساء البادية ونشر التنوير والمعرفة بينهن. ولم يتوان زوجها عبدالستار في دعم ومناصرة ليبيا أيام كفاحها ونضال رجالها المخلصين. عبد الستار وحمد رجلان باسلان يكمل أحدهما الآخر. لافرق كبيرا بينهما فى الوطنية والوجاهة والشجاعة والمعروف والشهامة. في الأصل والفرع. في الفيوم والقاهرة. في اجتماعات البرلمان. في مساندة النضال في ديار العروبة والإسلام. في المواقف والرجولة. بسالة الباسلين بلا انقطاع.

الباسل (المنسى فى الثورة) . المنسى فى مصر كما فى ليبيا . كما هو الشاْن لكل الرجال . ويظل الاْحفاد يشعرون بالمرارة المحزنة والقاسية فى حق السلف الذى اْعطى وقدم وضحى ولم يتراجع فى كل اللحظات .
الباسل : مائة عام على ثورته فى مثل هذه الايام مع رفاقه . هل تعرف الاْجيال المعاصرة هنا وهناك رجلا كبيرا فى حجم حمد باشا محمود الباسل .

هل تنهض بتكريمه وتقديره والوفاء له ولاْمثاله وترديد تاريخه والتعريف به اْمام الاْعين الغافلة والاْقدام التائهة ؟

هل يوجد رجال يقومون بذلك ؟!

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات