Atwasat

العقيدة والسفاهة

نور الدين خليفة النمر الأحد 04 مارس 2018, 12:12 مساء
نور الدين خليفة النمر

تولّدت في الأدبيات الإسلامية المتحزّبة من الكلمة المصدرية «السفاهة» جملة تسفيه العقيدة، وهو فعل تقوم به ما بعد حقبة الاستعمار السلطة العليا المحلية تجاه معتقدات رعيّتها لدوافع تتعلق بالسلطة وحوافزها بالذات في أنماط الحكم العسكري التي تحكمها الدكتاتوريات الأوتوقراطية .

وهنا يصيرالدينى وعلم اجتماعه (Sociology of Religion) ، التابو أو «اللامُفكر فيه» عربيا حتى هذا اليوم.

بعد إنجازه تتبيث سلطته بفوضوية الثورة الشعبية وتجهيليتها الثقافية 1973، وإنتهائه من إحباط محاولات الانقلاب عليه من رفاقه1970 ـ 1975، وقمعه للانتفاضات الطالبية 1976، بدأ قائد انقلاب سبتمبر 1969، لدوافع برغماتية ممهّداً للتغيير الفادح في البنية الأقتصادية ـ الاجتماعية الليبية بالتوازي ومحفّزات شخصية في جزء كبير منها مازالت غامضة، بإرباك عامّة الليبيين في إيمانياتهم الموروثة، بل وصل إلى تسفيه مادرجوا عليه من معتقديات ومذهبيات وسلوكيات بأن مسّ فروضهم التعبدية وطقوسهم بدءاً من التشكيك في المعراج بمناسبة احتفالية الإسراء والمعراج في جامع مولاي مُحمد بطرابلس بتاريخ 24/6/1976 لتكرّ حبّات المسبحة في سفاهات، لها أوّل وليس لها آخر، تتعلّق بصوم رمضان والعيد والحج والزكاة وتطاولات مسّت الإسلام في شخص نبيّه وآل بيته وصحابته لازمت الدكتاتور بتواتر حتى سنة 2010 قبل الأطاحة به وإعدامه في مشهدية أخجلت الليبيين أمام العالم، بأن أبانت عمق الكراهيات والغوغائيات المنفلتة ـ السارية حتى اليوم ـ من كل وازع أخلاقي وديني، حصيلة مابثه الدكتاتور في الضمير الاجتماعي والمعتقدي الليبي من سفاهات، تبرزها في لاوعيه الأدبي عناوين قصصه من مجموعته: "القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد الفضاء" كـ:«أفطروا لرؤيته» و«المسحراتى ظهراً».. عن رؤية هلال رمضان، الذي كان مثار تلاعبه ونزقه، الدائم لـ 40 عاما، و«دعاء الجمعة الآخرة»، و«انتهت الجمعة دون دعاء»، وهي التخرّصات التي كلّف كاتبه الصادق النيهوم عبر دار نشره في جنيف أن يُصدر فيها المؤلفات كـ:«الإسلام في الأسر.. عن من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة» و«إسلام ضد الإسلام .. شريعة من ورق».

كتاب السيرة «القذافي رسول الصحراء» الذي ألفتّه الإيطالية ميريلا بيانكو مُبكراً ـ عن دار الشورى، بيروت 1970 ـ أظهر قائدَ الانقلاب للعالم الغربي في صورة الضابط البدوي الشاب والمسلم النقي الورع. وإن صورة مُرفقة بالكتاب تُظهره مهيمنا على رفاقه الذين تجاوبوا معه في خشوع بائن لتلاوة القرآن وتدارسه في أمسية رمضانية قبل انتصار انقلابه عام 1969.

وكما أفاد بعض رفاقه الضباط الأحرار بعد الإطاحة به عام 2011 أن صورة القديس ظلت ملازمة لقائدهم حتى الانقلاب المحبط عليه من مجموعة من رفاقه في أغسطس 1975 الذين وصفوه بالفقي وفي اللهجة الليبية تعني الدرويش مستبعدين قتله أو إيذاءه. بينما أظهرت ردود أفعاله وعنف ألفاظه ضدهم زيف صورة القديس التي اصطنعها لنفسه طوال مدة التحضير لانقلابه عام 1969.

أنجزت النخبة الوطنية الاستقلالية الليبية عام 1951 ـ براغماتياً وليس عِلمانياً ـ فصلا بين الديني والسياسي في الدستور المؤسس لدولة الاستقلال فاكتفى بجملة معمّمة: «الإسلام دين الدولة الليبية» والملك إدريس الذي أسس لأوّل ملكية في ليبيا أبعد ـ عدا الأمير ولي العهد ـ أفراد عائلته وسلالتها التي تحظى بمهابة اجتماعية ودينية خصوصاً في الشرق الليبي عن تولي أي منصب رسمي، وبفضل جرأته السياسية تم الفصل بين الدولة الوطنية ممثلة في المملكة الليبية التي تولى حكمها كملك دستوري 1951 ـ 1969 وبين الطريقة السنوسية الدينية، بل أبقى في الغرب الليبي مركز التقاليد المعتقدية على الطبقة الدينية الراعية للحقيقة الدينية وطرائقها الصوفية الشعبية السابقة على الإصلاحات الفقهية التي أحدثها جدّه الإمام محمد بن علي السنوسي والتي تهيمن عليها تقليديا العقيدة الأشعرية المستنيرة والفقه المالكي المرن في تسيير الأمور الشرعية، وهي خطوات متقدمة لم تشرع فيها المملكة السعودية التي كرّست مذهباً حنبلياً متطرفاً في تشدّده وانغلاقه إلا العام الماضي 2017 بإحداث تغيير عميق يتعلق بتحويل هوية المملكة من دينية إلى وطنية تحت ضغوطات قانون «جاستا JASTA» اختصاراً لعبارة "العدالة في مواجهة رعاة النشاط الإرهابي".

ورغم أن القانون الذي أصدره الكونغرس الأميركي لا يشير، صراحة إلى السعودية، لكنه سيخوّل بالدرجة الأولى ذوي ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 برفع دعاوى بحق السعودية كبلد دعم بشكل مباشر أو غير مباشر المجموعة التي نفذت العملية مستهدفة أبراج التجارة العالمية، في جادة مانهاتن بنيويورك.

إذا اعتبرنا ما طال المملكة السعودية بقانون «جاستا JASTA» ضرباً من ضروب السفه، فالمراقب السياسي المحايد لايستطيع تبرئة مؤسستها الدينية المُهمين عليها من طرف قوى متطرّفة تحرّكها تيارات اجتهادية وفقهية من تأجيج الفوضى الدينية خارج السعودية. منها التيار المُدخلي المنسوب إلى الواعظ ربيع المُدخلي البالغ من العمر 85 عامًا، والذي يقيم حاليًا في المدينة المنورة، وهو منذ 2011 إلى 2018 لا يألو جهداً في تحريضه المنفلت لصناعة الفوضى واستغلالها في ليبيا، إذ تنتشر في الغرب الليبي دوريات شرطية تابعة للمدخلية تجوب شوارع طرابلس، لزعزعة استقرار ما تسميّه بخلايا تنظيم «داعش» لنشر سفاهاتها الإرهابية الدامية، ومنع الجريمة والرذيلة. كل المؤشرات المتأخرة تلوّح إلى أن القوات التابعة للمدخلية كانت ناجحة في مهمتها لدرجة دفعت حكومة الوفاق الوطني لغضّ النظر عن تطرّفاتها، وإطلاق يدها بإحكام سيطرتها على المساجد ومنابر الوعظ لتغير وبشكل كبير فكر المجتمع الليبي. بل اعتمادها كقوة شرطية شبه رسمية تحت سلطة وزارة الداخلية للحدّ من سطوة المجموعات الحرابية والإسلاموية المناظرة.

السفه شرعاً ـ حسب الموسوعة الفقهية الكويتية ـ صفة السفيه وهو من يُسرف في إنفاق ماله، ويضيّعه على خلاف مقتضى العقل أو الشرع فيما لا مصلحة بائنة له فيه، ويُعدّ سفيها بنهيه سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ـالنساء:5 ـ من يعطي السفيه مالاً. ومن صفات المُعطى حسب الأمام الكفويّ ننتقي وصف "أسير ـ وهنا بمعنى خاضع لـ ـ الطغيان" ونطابقه بمقتطف من مقال «المدخلية تستغل الفوضى في ليبيا لفرض حكمها الديني» عن ساينس مونيتور بترجمة الوسط الجمعة 19 يناير 2018: في توصيفها لـ «العقيدة السلفية المدخلية» بأن ركيزتها تقوم على الطاعة شبه التامة لأيّ نظام أو حاكم أو جماعة في السلطة، أي ما يعرف بـ "ولي الأمر" في البلد الذي تتواجد به الجماعة ـ وهو موقفهم الذي أظهروه إزاء دكتاتور ليبيا السابق حتى نهايته عام 2011 ـ وبخلاف السلفيين السياسيين والجهاديين والإخوان المسلمين الذين يطالبون الحكومات باتباع تعاليم الإسلام أو تطبيق الشريعة، فإن المدخليين يلقون طواعية بدعمهم خلف الأنظمة العربية العلمانية، فـ «الجماعة تجادل بأن الأنظمة العلمانية والديكتاتورية لديها في المقام الأول هيبة مقدسة على رعاياها وإلا ما كان الله أتى بها إلى السلطة“. توجّه حسبة المدخلية في الغرب الليبي يضاهيه ضلوع دورها الأكثر تأثيرًا في شرق ليبيا، حيث تحالف فرع تابع للتيار مع قائد مُسمّى الجيش الوطني نظير استخدام قواتها ومنابرها لدعمه والدعوة لإبداء الولاء له باعتباره أمرًا تفرضه العقيدة والمصلحة الإسلامية. هذا التواطؤ منح المدخلية، عدا أُعطائها سلطة إصدار فتاوى رسمية، إطلاق يدها في حرية تامة كشقيقتها مدخلية طرابلس بإدارة المساجد والأوقاف والمؤسسات الدينية في جميع أنحاء شرق ليبيا.