بعد ملتقى تونس.. مخاوف من سيناريو القفز إلى الانتخابات دون مرجعية دستورية

الجلسة الافتتاحية لملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس، 9 نوفمبر 2020، (الرئاسة التونسية)

فجر تحديد ملتقى الحوار الليبي في تونس مواعيد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا ديسمبر 2021 دون الاتفاق أولا على إطار دستوري تجرى على أساسه تجاذبات وانقسامات حادة أمام تمسك لجنة صياغة أسمى وثيقة في الدولة بمسودة 2017 ورفض آخرون له جملة، فيما تتوالى التحفظات على قانون الاستفتاء «الملغوم» بتقسيمه البلاد إلى ثلاث دوائر انتخابية.

وينتظر أن تتدارك البعثة الأممية مناقشة التحديات الماثلة أمام القاعدة الدستورية ومسألة الاستفتاء على المسودة الحالية من عدمه، خلال الاجتماع الافتراضي الأسبوع المقبل بعدما انفض المتحاورون في تونس باتفاق على موعد إجراء انتخابات وتحديد صلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة، على خلفية تجاهلها مطالب هيئة صياغة الدستور التي احتجت على إعلان موعد الاستحقاق الرئاسي ووصفته بـ«غير القانوني»، قائلة إنه ينتظر التصويت من طرف الليبيين على مشروع الدستور عن طريق الاستفتاء.

الاستفتاء هو الحل
في حين أكد المجلس الأعلى للدولة أن حل أزمة ليبيا يكمن في الاستفتاء على مسودة الدستور واعتمادها، بل إنه حدد موعد فبراير المقبل ليأخذ الشعب رأيه فيه بنعم أو لا، وهو من الأطراف الرافضة لإدراج تغييرات على الوثيقة التي تولت كتابتها لجنة خاصة استمر عملها لأعوام دون الخروج بتوافق وطني. وبالنسبة إلى عضو مجلس الدولة بشير الهوش في ملتقى تونس فإن الأمم المتحدة تريد أن تضع العربة أمام الحصان على حساب ليبيا، موضحا: «لا يمكننا بناء بلدنا دون دستور. في العام المقبل، يمكننا تقديم مسودة الدستور إلى الليبيين ليقولوا بنعم أو لا».

رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، الجيلاني ارحومة، شدد على أنه لا يجوز إجراء أي تعديل على مشروع الدستور من قبل أي جهة كانت بما فيها الهيئة، قبل عرضه على الاستفتاء العام، كونه أصبح ملكا للشعب من تاريخ اعتماده. وأوضح الجيلاني في رسالة وجهها لرئيسة البعثة الأممية في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، أن ما جرى عرضه من قبل البعثة من استطلاع للرأي بشأن المسار الدستوري عبر منصات الحوار السياسي، لا يتوافق مع قرار مجلس الأمن بشأن تمديد عمل البعثة.

تجاهل أممي للمسودة
التجاهل الأممي للمسودة كان تحصيل حاصل لفشل المسار الدستوري تحت رعاية الأمم المتحدة بالقاهرة قبل أسابيع في التوصل إلى معالجة نقاط الخلاف الحاصلة بشأن مسودة مشروع الدستور وقانون الاستفتاء المرتبط بها، مع تمسك عدد من الأطراف بضرورة تعديل المسودة، وأخرى تطالب بتشكيل هيئة جديدة مختصة لكتابة الوثيقة. أما على جانب القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى فإن بعضها يعارض العودة إلى الإعلان الدستوري لعام 2011 أو الإعلان المعدل الصادر العام 2014 لتنظيم هذه الاستحقاقات.

اقرأ أيضا: ملتقى تونس: ما هي اختصاصات المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية؟

وسبق لمكونات برقة ومن الأمازيغ والتبو والطوارق أن رفضت الاستفتاء على المسودة وتطالب بالعودة لدستور1951 الذي أسس، وقتها، للمملكة الليبية بنظام اتحادي فيدرالي، يضم حكومة مركزية وحكومات إقليمية للولايات ليتم تعطيل العمل به العام 1969، إثر الانقلاب العسكري على الدولة الذي قاده معمر القذافي. ومكمن اعتراضهم ما جاء في المواد التي تتناول الهوية الليبية، والتي تمثل «إقصاء واضحا للعديد من الفاعلين في المجتمع الليبي»، وهو حال الأمازيغ الذين يرون في المادة التي تنص على أن الدولة الليبية هي جزء من الوطن العربي إنكار لوجودهم وتاريخهم القديم في المنطقة. ولا يختلف الأمر عن التبو الذين أحسوا بالتهميش كما كان الحال في عهد القذافي.

موقف التبو من مسودة الدستور
وردا على مطالبات ومراسلات هيئة الدستور للبعثة الأممية استبق مكون التبو وممثلوه حوار تونس بإبداء رفضهم القاطع لطرح مسودة الدستور للاستفتاء، مؤكدين أن على الأخيرة الحرص على أن يكون الدستور توافقيا بناء على نص المادة ثلاثين من الإعلان الدستوري الموقت، الذي يوجب التوافق مع التبو والطوراق والأمازيغ. وقبلهم رفض «تجمع النخب البرقاوية» مسودة مشروع الدستور خلال لقاء مع رئيس المجلس عقيلة صالح، مطالبين بـ«استبعاد طرحها على الاستفتاء الشعبي حتى يتمكن الليبيون من التوافق على مشروع دستور صحيح يقر حقوق الأقاليم».

وفي 27 أغسطس الماضي، قالت المفوضية العليا للانتخابات إن إجراء الاستفتاء على دستور دائم للبلاد «يحتاج فقط لتمويل الحكومة». وبخلاف ذلك لا يمكن إجراء الاستفتاء على المسودة تحسبا لإجراء الانتخابات العامة العام 2021، إلا بإصدار قانون من السلطة التشريعية، وهي مجلس النواب بطبرق، حيث ينبغي له أن يوافق أولا على قانون الاستفتاء، الأمر الذي يتيح بدوره للمصرف المركزي صرف الأموال الضرورية لتنظيم العملية.

اقرأ أيضا: كيف علقت الصحافة الفرنسية على ملتقى تونس؟

وتتضمن مسودة مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة في 29 يوليو 2017 نحو 195 مادة «تعتبر خارطة طريق لإعادة ليبيا إلى طريقها الصحيح، وتجاوز الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد منذ 2011»، إضافة إلى معالجة أزمة الشرعية التي تتخبط فيها معظم المؤسسات الليبية، وفضلا عن إجماع مواقف فاعلين ليبيين بخصوص عدد من المواد الدستورية الضامنة للتعددية والعمل السياسي وحقوق المرأة، يقول مراقبون إن الوسيلة الوحيدة لتجاوز الاعتراض على خريطة طريق الهيئة التأسيسية إبطالها البند الذي يمنع إجراء أي تعديلات في نص الدستور في السنوات الخمس المقبلة، وتركه مفتوحا أمام المراجعات.

خارطة طريق لقاعدة دستورية في وثيقة «قمرت» 
ولم يكن من سبيل لتجاوز الانسداد القانوني قبل المرحلة التمهيدية للانتخابات سوى عبر سيناريو فصلت فيه مسودة وثيقة «قمرت» وهو «في حال لم يتم الاتفاق على المسار الدستوري خلال سبعة أشهر يعود لملتقى الحوار السياسي تقديم الصيغة الملائمة لإنجاز قاعدة دستورية للانتخابات». كما شددت على «التزام المؤسسات المعنية بالمسار الدستوري بالتنسيق والتشاور لإنجاز العملية الدستورية في مدة لا تتجاوز 60 يوما من بدء المرحلة التمهيدية».

وتبقى من الخيارات المطروحة حاليا التخلي موقتا عن العملية الدستورية مع التركيز على سلسلة محدودة من التعديلات لمسودة اتفاق تونس، الذي تم بمقتضاه التفصيل بآلية سير العمل في مؤسسات الدولة وهو يعد فعليا عبارة عن دستور مصغّر.