مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا تعيد زوابع الجدل في المتوسط

سفينة التنقيب التركية فاتح قبالة السواحل القبرصية قرب بافوس (ا ف ب)

أشعل الاتفاق التركي مع حكومة الوفاق بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة، مجددا فتيل مسار تصادمي مع عدة دول تتصارع على الغاز بشرق البحر الأبيض المتوسط بعدما استغلت انقرة انسحاب شركات طاقة دولية من أشغال التنقيب لتكثيف تحركاتها وأكدت وزارة الطاقة التركية أن أعمال الحفر مستمرة على ضوء تعزيز وجودها باتفاق مع ليبيا.

وكثفت السلطات التركية منذ بداية الشهر الجاري أنشطة التنقيب عن المواد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط رغم التأثيرات السلبية لوباء «كورونا» على خطط الحفر في المنطقة، متجاهلة التنديد الأوروبي ورفضا من جانب مصر وقبرص واليونان وفرنسا في بيان مشترك، بانتهاك تركيا القانون الدولي بالتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وبالتحركات التركية غير القانونية الجارية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص ومياهها الإقليمية.

وأعاد البيان المشترك التأكيد على أن مذكرة التفاهم بشأن تعيين الحدود البحرية في البحر المتوسط، ومذكرة التفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري، الموقعتيّن في شهر نوفمبر من عام 2019 بين تركيا ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، تتعارضان مع القانون الدولي وحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، كما تُقوضان الاستقرار الإقليمي.

مصر وفرنسا واليونان وقبرص والإمارات يدينون التدخل التركي في ليبيا

عقوبات أوروبية على تركييـْن ضالعين في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط

وجاء الرد على الانتقادات، من بيان صادر عن وزارة الخارجية بحكومة الوفاق قال «نجد أنفسنا ملزمين بالتذكير بأن مذكرة تحديد المناطق البحرية هي مذكرة وُقِّعت بين حكومتي دولتين متشاطئتين على البحر الأبيض المتوسط وفقًا للاتفاقات والمواثيق الدولية، ولا تمس بحقوق أي طرف ثالث»،

«لن نعلق أنشطة الحفر»
أما وزير الطاقة التركي فاتح دونمز أكد أن بلاده لن تعلق أنشطة الحفر في شرق البحر الأبيض المتوسط على الرغم من انخفاض أسعار الطاقة إلى مستويات تاريخية بسبب جائحة فيروس كورونا الجديد. وشدد دونماز على أن أعمال التنقيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة مستمرة بعدما عززت وجودها في شرق البحر الأبيض المتوسط اتفاق مع ليبيا.

وقال لجريدة «ميليت» التركية: «سنواصل برامج عملنا في مناطقنا وفقًا للتراخيص المأخوذة من كل من جمهورية تركيا جمهورية شمال قبرص التركية»، مشيرا إلى استهلاك أنشطة الحفر هذه فترة طويلة من الزمن «إذا تم إيقافها مؤقتا ، فسوف تتعطل خطة العمل لمدة عامين على الأقل».

وتواصل تركيا أنشطة البحث والتنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط شرقي المتوسط، بواسطة سفينتي مسح جيولوجي وسفينتي تنقيب. وفي الوقت نفسه أدى انهيار أسعار النفط إلى فقدان شهية المستثمرين الدوليين في منطقة شرق المتوسط اذ قامت شركة «اكسون موبيل» الأميركية بتأجيل خطط الحفر الخاصة بها قبالة ساحل قبرص اعتبارا من 13 أبريل الماضي بسبب عدم القدرة على التنبؤ في الأسواق الدولية. كما جرى تأجيل برامج الحفر المشتركة بين شركة «ايني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية إلى 3 آبار مخطط لها في عام 2020 و 6 آبار في العامين التاليين.

وقال دونمز «لقد أظهرت الصعوبات المالية التي تواجهها البلدان والشركات مرة أخرى أن الخيار الاقتصادي الأكثر عقلانية لفتح موارد الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط إلى العالم هو طريق تركيا». وبموجب مٌذكرة الصلاحيات البحرية مع حكومة الوفاق، ستتوسع تركيا في أعمال التنقيب عن الغاز والبترول في شرق البحر المتوسط، اعتمادا على مبدأ الجرف القاري الذي يعطي الدول حدودًا بحرية تمتد إلى 200 ميل على الأقل، وهو ما ترفضه القاهرة وأثينا وتعتبرانه مخالفا للقانون الدولي.

وحاولت انقرة منذ اكتشاف أول حقول الغاز الطبيعي الضخمة بالقرب من الجزيرة في عام 2011، منع أنشطة التنقيب والحفر الدولية أثناء تنفيذ عملياتها الخاصة حيث تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن حوض شرق المتوسط يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار. وتعارض كل من قبرص الرومية واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومصر وإسرائيل، أنشطة التنقيب عن الطاقة التي تجريها تركيا شرق المتوسط.

فرص الغاز والنفط
وفسرت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية في تقرير الإثنين، أن الرئيس طيب رجب أردوغان يعول على فرص الغاز والنفط التي سيحصل عليها من اتفاقه مع حكومة الوفاق الوطني، ولكنه لن يحصل على ثمار الاتفاق إلا بعد سنوات، هذا إذا استطاع تجاوز المعارضة الإسرائيلية والأوروبية للتنقيب في مياه شرق المتوسط، معتبرة مثل هذا الحديث عن استفادة الشركات التركية من الفرص في ليبيا يعد سابقا لأوانه.

ويصر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على مواصلة بلاده ما اسماه «فساد المؤامرات» في البحر المتوسط، في إشارة إلى ما يجري على القتال الداخلي الدائر في ليبيا ، ليوضح أن «حالة الانزعاج من مذكرة التفاهم - التي أبرمناها مع ليبيا لتحديد مناطق الصلاحية البحرية في المتوسط - ما تزال قائمة».

ويقول مراقبون ان أردوغان - وعبر هذا الاتفاق - يعمل على فصل مصر وقبرص والفلسطينيين عن اليونان وإيطاليا ويهدد مشاريع إمداد الطاقة المراد تدشينها في المنطقة وإيصالها إلى أوروبا، حيث تريد تركيا أن تصبح مركزاً للطاقة في المنطقة بسيطرتها على حركة خطوط الغاز إلى السوق الأوروبية.

المزيد من بوابة الوسط