تقرير: الجمهوريون وترامب ...عائق وحيد يمنع استبعاد المرشح «المنبوذ»

قبل نحو شهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وجد الحزب الجمهوري نفسه في مأزق تاريخي قد يتسبب ليس فقط في استمرار الديمقراطيين، ممثلين في مرشحتهم هيلاري كلينتون، على قمة هرم السلطة في أقوى بلاد العالم، وإنما أيضًا في تعرضه لانقسامات داخلية ستفقده تماسكه المعروف وتشوه صورته التقليدية كإطار جامع للقوى الاجتماعية والاقتصادية الأكثر التزامًا من الناحيتين التنظيمية والأيديولوجية.

وفيما شكل تخلي قيادات جمهورية بارزة عن تأييد مرشح الحزب للرئاسة، دونالد ترامب، المؤشر الأوضح على خطورة هذا المأزق، عكست المحاولات المتأخرة التي تبذلها قيادات حزبية لإخراج رجل الأعمال ذي السبعين عامًا، من السباق الانتخابي، أملاً في ترشيح بديل له قادر على مواجهة الديمقراطيين بمثابة دليل على أن حلم العودة إلى البيت الأبيض بات بالفعل شبه مستحيل، في ظل استمرار وسائل الإعلام في النبش بسجل الملياردير المثير للجدل.

وكان تسريب كشفت عنه صحيفة «واشنطن بوست» يرجع للعام 2005، حمل حديثًا لترامب تضمن إساءات للنساء، من بينها قيامه بـ«تحسس أجساد» ومحاولة إغواء امرأة متزوجة، رغم أنه كان وقتها مقترنًا بزوجته الثالثة «ميلانيا».

وحسب مراقبين، فقد قضى هذا التسريب تقريبًا على آمال ترامب، صاحب التصريحات المتشددة ضد وجود المسلمين ببلاده، في الفوز بالرئاسة، ليس فقط لما أثاره من غضب نسائي، وإنما أيضًا لأنه أضاع عليه فرصة الاستفادة الانتخابية بورقة خيانة الرئيس السابق بيل كلينتون لمنافسته الديمقراطية إبان وجودها كسيدة أولى في البيت الأبيض.

وأحدث التسريب ضجة عامة في الولايات المتحدة حتى إن رئيس مجلس النواب، بول ريان، سحب دعوته لترامب لزيارة ولاية ويسكونسن، فيما كتب نائب الرئيس جو بايدن في تعليق على «تويتر»: «الكلمات مهينة، هذا السلوك يمثل إساءة لاستغلال السلطة، ليس بذيئًا فحسب، لكنه اعتداء جنسي».

رايس : لا يمتلك الكرامة والمكانة لخوض الصراع من أجل أعلى منصب في أعظم الدول الديمقراطية

أما داخل الحزب الجمهوري، فعبرت رموز كبيرة عن استيائها من وجود ترامب في السباق الرئاسي، حيث وجهت وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس إهانة مباشرة له، معتبرة أنه «لا يمتلك الكرامة والمكانة المطلوبتين لخوض الصراع من أجل أعلى منصب في أعظم الدول الديمقراطية في العالم»، كما أعلن المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة العام 2008 جون ماكين، أنه لن يصوت لصالحه وسيدون في بطاقة الاقتراع اسم أي شخص محافظ يليق بمنصب الرئيس.

بالمثل، أفاد حاكم ولاية كاليفورنيا السابق والممثل المشهور أرنولد شوارزنيغر بأنه لأول مرة لن يعطي صوته للمرشح الرئاسي الجمهوري، مخيرًا زملاءه بين حب حزبهم وحب وطنهم.
وقال شوارزنيغر، في بيان نشره السبت 8 أكتوبر على صفحته في «فيسبوك»: «لأول مرة منذ حصولي على الجنسية الأميركية لن أدعم المرشح الجمهوري في الانتخابات. وبالرغم من فخري بالانتماء إلى الحزب الجمهوري، ثمة انتماء أفضله فوق أي آخر، وهو أنني أميركي. بناء على ذلك، أود استغلال الفرصة المتاحة لتذكير زملائي الجمهوريين بأن تفضيل وطنكم على حزبكم ليس مقبولاً بالنسبة لكم فحسب، بل ويمثل واجبكم».

شوارزنيغر:لأول مرة منذ حصولي على الجنسية الأميركية لن أدعم المرشح الجمهوري في الانتخابات

من جهته، انتقد السيناتور عن ولاية داكوتا الجنوبية، أحد أبرز شخصيات الحزب الجمهوري، جون ثون، تصريحات ترامب «البذيئة» التي وردت في التسجيل، مشيرًا إلى ضرورة انسحابه من سباق الرئاسة الأميركية.

في الاتجاه نفسه، قالت عضوة مجلس الشيوخ عن نيو هامشير كيلي أيوت: «لا أستطيع ولن أدعم مرشحًا للرئاسة يتفاخر باحتقار المرأة والاعتداء عليها» وأضافت كيلي، أنها لن تصوت لهيلاري كلينتون أيضًا، وأنها سوف تكتب في بطاقة التصويت اسم مايك بنس، المرشح لمنصب نائب الرئيس.

وكان 30 نائبًا سابقًا في الكونغرس عن الحزب الجمهوري وقعوا، الخميس الماضي، على رسالة أعلنوا فيها معارضتهم مرشح حزبهم للانتخابات الرئاسية. وجاء في الرسالة: «كل واحد منا قد أقسم قبل توليه منصبه، يمينًا ألقى على كاهلنا مسؤولية كبيرة في أن نعمل لما فيه مصلحة الولايات المتحدة».

نواب سابقون :من المحزن أن مرشح حزبنا إنسان حول المبادئ التي نعتز بها إلى مسخرة

وأضاف النواب السابقون في بيانهم: «من المحزن أن مرشح حزبنا لهذا العام هو إنسان قد حول المبادئ والقيم التي نعتز بها ونمثلها في الكونغرس، إلى مسخرة».

وانتقد النواب السابقون قرار حزبهم بالوقوف خلف رجل الأعمال، بالقول: «بترشيح دونالد ترامب فإن الحزب الجمهوري طلب من الشعب الأميركي أن يضع مستقبله بيد رجل يهين النساء ويسخر من المعاقين، ويحث على مواجهة المعارضة بالعنف، ويسعى لفرض اختبار ديني على الداخلين إلى الولايات المتحدة وممارسة اختبار عرقي على القضاة (لاختيارهم)».

ثم زاد مايك بنس المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، الموقف سوءًا، عندما انتقد شريكه في السباق الرئاسي بشكل علني، مؤكدًا أنه «كزوج وأب أشعر باستياء من الألفاظ والتصرفات التي وصفها دونالد ترامب في التسجيل المصور». أما شريكة ترامب في الحياة ميلانيا، فحاولت التماس العذر لزوجها، مشيرة إلى أنه تغير كثيرًا، لكنها لم تستطع إخفاء شعورها بـ «الإهانة».

وحاول ترامب تطويق هذه العواصف باعتذار صريح للنساء، ثم بإعلانه تغيير مواقفه القديمة تجاه المرأة، غير أن ذلك كله لم يؤثر في قيادات حزبه التي بدأت حملة داخلية لإجباره على الانسحاب، حتى يتمكن الحزب من طرح مرشح بديل قادر على منافسة كلينتون.

ولم يسبق لأي من الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي) أن غيَّر مرشحه في هذا الوقت المتأخر من سباق الرئاسة، علمًا بأن المادة 9 من قانون الانتخابات الرئاسية تقضي بأن يتم استبدال المرشح الرئاسي في حالتين فقط: خروجه الطوعي من السباق أو وفاته.

قانون الانتخابات يقضي باستبدال المرشح الرئاسي في حالتين فقط: خروجه الطوعي أو وفاته

ووفق رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، رينس ديباس، فإن إهانة ترامب من قبل أعضاء حزبه ستدفن حظوظ فوز الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية، موضحًا أن أمام اللجنة 48 ساعة فقط لإعادة دراسة استراتيجيتها قبل الانتخابات.
ونقلت صحيفة «بوليتيكو» عن مصدر رفيع من الجمهوريين: «إن جيشًا من المحامين يدرس حاليًّا المادة رقم 9 التي تسمح بتزكية مرشح آخر في حال خروج المرشح السابق من تلقاء نفسه أو في حال وفاته»، مشيرًا إلى أن ترامب صرح بأنه لا يعتزم الخروج من السباق الرئاسي، ولذلك فإن الحزب سيواصل العمل معه في كل الحالات.