غزة تحت الحصار الإسرائيلي: الرجال يهاجرون هربًا من الفقر

وقفة لعدد من سكان قطاع غزة للمطالبة بوظائف، (الإنترنت: أرشيفية)

أظهر تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية ارتفاع نسبة الهجرة بين الرجال داخل قطاع غزة، بسبب الظروف المعيشية الصعبة.

وأجرت الوكالة مقابلات مع أسر داخل القطاع، هاجر رجالها إلى الخارج بطرق غير شرعية، فتقول أنغام زعرب إن شقيقيها وزوجها هاجروا عبر الأنفاق بين القطاع ومصر، بعدما باع الأخير منزله مقابل خمسة آلاف دولار، كي يتمكن من تحمل مصاريف السفر.

وأشارت الوكالة إلى تدمير مصر مئات الأنفاق، وإبقاء معبر رفح مغلقًا بشكل شبه دائم، قبل إعادة فتحه العام الماضي بعد تحسن العلاقات مع حركة حماس التي تسيطر على القطاع، وبات يسمح كل يوم للعشرات من سكان غزة بعبوره. ومن هذا المعبر، خرج شقيق زوج أنغام زعرب الصيف الماضي وكان آخر فرد في الأسرة يهاجر.

اقرأ أيضًا: الاحتلال يعيد توسيع مسافة الصيد قبالة قطاع غزة

وتروي أنغام لوكالة «فرانس برس» أن «زوجها غادر للأسباب نفسها التي دفعت ذكور العائلة الآخرين إلى الهجرة وهي البحث عن عمل، وكان يقول: سأؤمن مستقبلاً لابنتي ولأسرتي».

وتخضع غزة منذ أكثر من عشر سنوات لحصار إسرائيلي صارم برًا وبحرًا وجوًا، ووقعت ثلاث حروب بين الدولة الصهيونية وحماس منذ 2008، وغالبًا ما تبدو الهدنة الهشة القائمة حاليًا على وشك الانهيار.

منفى اقتصادي وسياسي
وتحد القطاع الساحلي الضيق إسرائيل من الشرق والشمال ومصر جنوبًا والبحر الأبيض المتوسط غربًا، ويعتمد 80% من سكانه المليونين على مساعدات من منظمات دولية في معيشتهم.

ويقيم شقيقا أنغام حاليًا في السويد، أما زوجها فانقطعت أخباره وتطلقت منه، وباتت أنغام وحيدة تقيم مع ابنتها البالغة من العمر ست سنوات، في منزل أهلها، ولا تملك مالاً.

وتشير إلى جسم طفلتها الذي غطته البثور بسبب مكب النفايات القريب، حسب قولها، وتعقب: «أنا أيضًا أود أن أهاجر».

على رف خشبي صغير قربها، أكثر مقتنيات المنزل البسيط قيمة هو جهاز «المودم» الذي تغذيه بطارية يدوية الصنع أثناء انقطاع التيار الكهربائي المتكرر الذي يغرق الحي في الظلام.

وتقول والدتها شمة وهي تبتسم «الآن أتكلم مع أبنائي كل يوم، خلال العامين الأولين كنت أبكي دون توقف».

وتتيح الأموال التي يرسلها الابنان إعالة المنزل الذي يقيم فيه تسعة أشخاص في غرف فارغة إلا من الفرش الملقاة على الأرض. وغادر عشرون رجلاً على الأقل من هذه الأسرة القطاع، ومات البعض أثناء رحلتهم.

وبحسب أرقام وضعتها الأمم المتحدة العام الماضي، سلك 61 ألف شخص معبر رفح للخروج من غزة، وعاد منهم 37 ألفًا فقط، أي أن هناك 24 ألفًا لم يعودوا.

وسهلت عملية إعادة فتح معبر رفح الهجرة، كما يقول نائب مدير مركز «الميزان» لحقوق الإنسان سمير زقوت.

ويقول من مكتبه في وسط غزة إنه من المستحيل تحديد مدى هذه الظاهرة بالأرقام، لكن أسبابها معروفة: البطالة والفقر والرواتب الزهيدة وانعدام حرية التعبير وهيمنة حماس سياسيًا والحصار وصعوبة السفر بحرية.

ويضيف «في الماضي فكرة الهجرة كانت تعد خيانة، اليوم باتت مصدر فخر، حتى أولئك الذين يمارسون السياسة ويؤمنون بالمقاومة يستعدون للهجرة»، مؤكدًا أن كل الطبقات الاجتماعية تنظر إلى الخارج.

اتصال من مجهول
ويضيف بأسف «لو كان أمام الفلسطينيين خيار، فإنهم يفضلون البقاء في قطاع غزة الجميل جدًا دون حصار».

وكان عبدالله المصري (27 عامًا) يريد أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عن خان يونس الواقعة في جنوب قطاع غزة، وبعد رحلة طويلة ومرهقة وصل إلى الجزائر التي توجه منها إلى أوروبا.

وتقول والدته سمر المصري (43 عامًا)، في حديثها إلى الوكالة داخل منزلها الذي زين بصور نجلها البكر: «اتصل بي ذات يوم أربعاء وقال لي (سأرحل غدًا)». بعد سفره، انقطعت أخبار نجلها إلى أن تلقت يومًا اتصالاً هاتفيًا من الخارج ليعلمها بأنه توفى.

والعديد من سكان غزة يعرفون على الأقل شخصًا واحدًا قضى أثناء محاولته الهجرة. وتمسح سمر المصري دموعها، وتقول «إنني ناقمة على الحكومة وعلى إسرائيل وكل الذين يحبسوننا هنا، يأخذون منا شبابنا! وكم من هؤلاء الشباب قد ماتوا؟».

المزيد من بوابة الوسط