تحاوروا تصحّوا..

سعاد سالم |
سعاد سالم

الأعزاء الغاضبون من المسودة الرابعة والساخطون والرافضون والمتألمون، إلى آخره.. يجب التذكير بأن الليبيين الذين فجأة لم يعد الإسلام السياسي خيارهم حينما استثمر مفردة الشريعة أغلبهم سيقولون نريد شرع الله.. وهذا ما يربك المشهد برمته ويجعلك تعتقد شيئًا ثم يجري شيء آخر كما حدث في انتخابات الـ2012 وكذبة الأغلبية الليبرالية ثم القضاء التام على الليبرالية الشريرة بالتأييد الواسع فضلاً عن سلاح الميليشيات لقانون العزل السياسي الذي مهد لكل هذه الفوضى التي قسمت الليبيين لأعداء سواء بلغة التطرف كفرة ومسلمين أو بلغة التشنج الثوري ثوار وأزلام.

ضيعنا وقتًا طويلاً في هذه المهاترات فيما يقضم التطرف على مهل الأراضي الليبية ويستوعب كل أولئك الذين حيدناهم ونبذناهم في اصطفاف مع الطامحين السابقين لدولة الخلافة.. حسنًا يا حبايبي، الحوار نفسه فرض على الليبيين فهو، وياللعار، لم يكن خيارهم الصادق وإلا لرأينا المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية قد تحققت وما كنا بحاجة لا ليون ولا صخيرات ولا برلين.

الحراك الوطني والحوار كان يفترض أنه قد حدث مبكرًا جدًا جدًا.. وحتى قصة الإسلاميين (اللي يعيطوا) منهم اليوم بكل أطروحاتهم ورزاياهم وفضائحهم وإرهابهم كانت توافق مزاج الليبيين الذين انسجموا مع قصة شرع الله والفضيلة وطولوا لحاهم وحولوا الساحات العامة إلى مساجد، لا تنظروا إلى النسبة الضئيلة التي ظلت وفية لرؤاها وتطلعاتها للتغيير من بداياته وحتى الآن ولا أتصورهم يتجاوزون الـ 3%، هذا بكل تفاؤل.. والذين لم يتمكنوا من أن يغيروا شيئًا وبالتأكيد دفعوا ثمن مواقفهم من الغالبية الطاهرة والتي طموحاتها الجنة والذين كلما ناقشت فتوى يقولون لك استغفر ربك.

ومتى ما تجرأت وانتقدت مفتي الديار الليبية الصادق الغرياني الذي أفسد الحياة السياسية والعامة، فضلاً عن الاجتماعية، ثمة شعب كامل مستعد أن يسحلك أو يرجمك دفاعًا عن فضيلته وعلمه وطاقيته و(زبونه) و(بلغته) وحاشيته وكلماته التي لا يأتي الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. وفي ألطف مظاهر هذا التأسلم الغريب يرددون جملتهم الساذجة عن لحوم العلماء المسمومة.

معركة الجيش طويلة ولها ضريبتها، خصوصًا إذا تشتت جهوده بين عدوين واحد يضرب في الشرق والآخر يلتهم الغرب

ولن أتطرق للذين ينكرون وجود داعش رغم توقيعها على عملياتها وتفاخرها بها وعن إنكار أن أنصار الشريعة فرع منها وأن مجالس شورى الثوار هو اسم القاعدة في ليبيا ورافدها الأهم الجماعة الليبية المقاتلة التي هدد رجلها الثاني بأنه سيشن حربًا على من يفكر في بناء الدولة مؤكدًا بأن ستة آلاف عنصر مستعدون لدخول الجنة فوق جثثتنا.. المهم والعالم يتفرج على تقاتلنا وتنابزنا بالألقاب والقبائل والمدن وطبعًا بالدين كانت النتيجة التي وصلنا إليها بعد ما يقارب الخمس سنوات هي تهجير ونزوح وذبح وخطف وإرهاب كامل الأركان من تدريب وتجنيد وانتحاريين، وزد عليها حماية مافيا تهريب البشر والسلاح والآثار والمخدرات والسلع المدعومة وأسلاك النحاس والبنزين وإدخال الغذاء الفاسد وتجار العملة وصفقات مولدات الكهرباء..هذا غير النهب المباشر والصريح للمال العام الذي جعل من بلاد مئات المليارات على شفا إفلاس تام.. لهذا تدخلت الأمم المتحدة لتجبرنا على الجلوس وتعيدنا للواقع.

إن فجر ليبيا وباقي الفصائل صاحبة نفس الأطماع تحتل أراضيَ أهمها العاصمة وتتحكم في المال ولديها قوات على الأرض. في المقابل معركة الجيش طويلة ولها ضريبتها، خصوصًا إذا تشتت جهوده بين عدوين واحد يضرب في الشرق والآخر يلتهم الغرب.. حتى الحوار لم يعد خيارنا.. وبغض النظر عن كل ما يقال وعن كل تشنج وخطب ومزايدات، وأحيانًا مصالح شخصية وجهوية يحفظها للبعض وما أكثر هذا البعض، فإن هذا يجر إلى المزيد من التشرذم..الشجعان هم من قرروا الإصغاء للعقل ويفاوضون الآن لأجل مسودة أفضل.. تقودنا ولا بد إلى اتفاق بعد كل هذا الهدر الإنساني والوطني والأخلاقي.. لن تحول ليبيا جنة ولكنها على الأقل نأمل أن تقلم أظافر أمراء الحرب وتسلبهم «حقهم» في قهرنا.. و«حق» التطرف في استعبادنا.. لنقل هذا ما أتمناه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : فايز سويري

    22.06.2015 الساعة 11:10

    الغريب أن خربشتك الهابطة هذي عنونتيها بـ "تحاوروا تصحوا"