من شرفة قصر أسطوري!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

مثل معظم أبناء الطبقة الوسطى من القاهريين، راودته أحلام الثروة والشهرة، لم يتسع حي نصر الدين بالهرم لطموحه الجارف، فقرَّر الهجرة إلى أرض الأحلام الواسعة والأفق الممتد، بالفعل وَصَلَ إلى ولاية فيرجينيا الأميركية منتصف السبعينات من القرن الماضي.

هناك نسي الدكتوراه التي سافر من أجلها، واتجه مباشرة إلى عالم البيزنس، تعلَّم جمع المال من أستاذ أميركي متخصِّص في هذا النوع من العلم. سحرته الحياة الأميركية الحديثة ذات الإيقاع السريع. لم يشغله النجاح والثراء المادي والاستقرار الأسري في بلاد العم سام عن التفكير في بلده، والتطلع الدائم للعودة إلى منطقته الشعبية في ثوب الثري «الخوجاتي» الجديد.

انتهز الفرصة خلال إحدى زيارات «المخلوع» مبارك إلى واشنطن وكَافَحَ من أجل مصافحته وقدَّم نفسه باعتباره مخترعًا مصريًّا ونموذجًا وطنيًّا في بلاد المهجر، وبسذاجة طلب منه «المخلوع» العودة إلى الوطن، ومساعدة «المصريين» للتخلص من الجهل والفقر.

بداية من تلك اللحظة ضحكت له الدنيا.. وودَّع التعب والكفاح في أميركا، وبناء على الطلب الرئاسي قرَّر العودة لاستكشاف الأجواء، صدمته البيروقراطية المصرية، لكنه تعلم من التجربة الأميركية أنَّ لكل مشكلة حلاً، وبالفعل وَجَدَ هذا الحل عند الرجل الذي كان يقف بجانب «المخلوع» أثناء مصافحته في أميركا..

هذا الشخص كان السكرتير الخاص لمبارك وأقرب شخصية إلى أذنه.. وفي أمسية خاصة جدًّا وضعا الخطط اللازمة.. وانتهت الأمسية بأنْ تكون هذه الشخصية شريكًا له في كل المشروعات بمصر.
لكن كيف يمكن تحقيق ذلك ونظام الحكم في مصر لا يسمح بهذا شكلًا؟

إذن.. لا بديل أنْ تكون زوجة سكرتير مبارك هي الشريكة على الورق، قبل انتهاء تلك الأمسية وَصَلَ نجل مبارك وسمسار أي مشروع تجاري في البلد خلال تلك الفترة، أطلعاه على مضمون الاتفاق، فباركه وتعهَّد بتشجيع هذه الشراكة لدى والده.

إنشاء مصنع لتجميع الأجهزة الإلكترونية، كان باكورة مشاريعه بالمحروسة، ثم توالت المشاريع والصفقات إلى أنْ حَصَلَ على الصيد الثمين(2200 فدان) في مدينة 6 أكتوبر بنظام«حق انتفاع».

بعد سنوات اشتراها من الدولة بثمن بخس، بعدها قرَّر العودة نهائيًّا من أميركا حاملاً جنسيتها، وأصبح اسمًا لامعًا في مجال البيزنس، حيث استعان بشقيقين من أبناء منطقته كانا يعملان في جهاز الأمن، عيَّن الأول مديرًا لأعماله، والثاني مستشارًا قانونيًّا لشركاته، وعبر علاقاتهما بأجهزة الدولة تفتَّحت له كل الأبواب المغلقة، وفي ضربة معلم وسابقة نادرة حَصَلَ على قروض بنكية خيالية بضمانات وهمية بلغت أكثر من سبعة مليارات جنيه.

رف صاحبنا أنَّ المال والنفوذ هما مصباح «علاء» الدين ومفتاح سحري لكل شيء في عهد مبارك!

عرف صاحبنا أنَّ المال والنفوذ هما مصباح «علاء» الدين ومفتاح سحري لكل شيء في عهد مبارك! قرَّر مبكرًا امتلاك قناة فضائية، بعد أنْ أدرك أنَّها سلاح ردع لا تقل قوته التدميرية عن القنبلة الذرية، وطرح الفكرة على شريكه وابن الرئيس، فلمعت في عيونهما الفكرة، تعهدا بتحقيقها مقابل شرطين، الأول الحصول على نصيبهما المعلوم، والثاني عدم المساس بالمخلوع ولا بأبنائه والاستعداد الدائم لتنفيذ ما يصدر له من تعليمات الأجهزة المختصة.

من دون تفكير وافق صاحبنا، بعدها غيَّـرت القنبلة «الذرية» مجرى حياته، التف حوله نجوم الفن والصحافة، بنى قصرًا أسطوريًّا تحيطه الأشجار والبحيرات على مرمى البصر، تَرَكَ زوجته وابنهما في أميركا وتزوج سيدة عربية فتحت له آفاقًا لاستثمار أموال رئيس بلدها.

اللافت أنَّ صاحبنا.. ظل وفيًّا لمبارك وأبنائه ونظامه إلى آخر لحظة، وفي التوقيت الحاسم قفز من قاربهم وهو على وشك الغرق، وعلى الطريقة الأميركية لم يراهن على المهزوم أبدًا، وانضم للثوار وزايد عليهم بجيشه الإعلامي الجاهز.

بعد وصول الإخوان للسلطة أطال لحيته وبدأ في مغازلتهم، لكنهم لم يلتفتوا إليه، ثم ظهر لأول مرة ابنه المتزوج ابنة شقيقة قيادي سلفي شهير مسجون حاليًّا، وبالتعاون مع هذه القيادة بدأ يخطط لأسلمة«الفضائية» بعد أنْ قرَّر الانتقال للإقامة بالمحروسة بشكل نهائي، لكن جاءت الريح بما لا تشتهي سفنه، وبعد أنْ تكشفت حقيقته الزائفة، بدأ يعمل وظهره مكشوفٌ، لجأ إلى القضاء الأميركي زاعمًا أنَّ نظام مبارك ظلمه وحاصره!!.. طالب بتعويض أربعة مليارات دولار من عرق أبناء شعبه.

المفارقة أنَّ القاضي الأميركي كان أكثر رحمة بالمصريين من ذلك المستثمر المزيف الذي بنى ثروته الطائلة وشهرته والسعة من عرق وتعب البسطاء، ورَفَضَ القاضي طلبه، مما وضعه في ورطة كبيرة، وتصاعدت مطالب البنوك لاسترداد ملياراتها المنهوبة، وتمَّ منعه من السفر.. والآن يجلس صاحبنا محاصَرًا في قصره يتأمل استوديوهات قنبلته «الوهمية» منتظرًا القبض عليه في أي لحظة!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات