عِيشة إخّ إي ..!!

سعاد سالم |
سعاد سالم

خسرنا شقيقي محمد في 17أكتوبر 2008 وفي 2009 عثرتُ بالصدفة على أغنية راب باسمه لمغني راب تحت اسم ابن ثابت -اشتهر بأغنياته أثناء ثورة فبراير- يومها حكا الراب معي ومع عائلتي عزّانا بمرثية عن محمد الحجاجي الذي قُتل في باب العزيزية ووعدنا أن لا ينساه، وهذا ما فعله.

لقد ذكره في أغنيات أخرى في 2011، كانت الأغنية وقتها حدثًا مهمًّا جَمَعَ عائلتنا بمختلف أعمارنا وأذواقنا عليه، أعني هنا تحديدًا والدي(رحمه الله) ووالدتي وفهمتُ يومها كيف يمكن لهذا النوع من الغناء أن لا يكتفي بوضع كلماته ضمادة فوق جرحك، بل ويزيح يد الأمن الداخلي من فوق فمك وكيف بتعبيراته الخاصة وبلغتك أنت التي خبَّأتها، في حظيرة ما فيك، مروضة وهادئة أن تلكم الظلم والوجع والعجز كما لو كان قبضتك، ولكن أهذا كل شيء؟
في الحقيقة نعم، لو لم تندلع أغاني الراب الليبية وبحماس في كل التلفزيونات و الراديوات الناشئة قبل أربعة أعوام لصالح ثورة الليبيين.. وياللغرابة لم يجد الليبيون وقتها في تلكم الأغاني حرجًا ولا نفروا منها، كما أنَّ تلفزيون مثل «فرانس 24» أجرى حوارات في بنغازي مع أعضاء فرق هناك لاقت أغانيها نجاحًا في الشارع..

وكشأن كل القيم التي أُعيد ترميمها وأنواع التعبير التي شهدت طفرة نمو متزايد في تلك الفترةن تشجَّع شبانٌ كثر واعتمدوا لغة الراب في التعبير عن التمرد ورغباتهم وأحلامهم، لذا انتقدوا سريعًا ما رأوا أنَّه أو أنَّهم قوضوا فرصهم في العيش الكريم، وكعادة هذه الفئة باعتبارها الوقود الذي يتغذى منه التغيير هي أيضًا الأكفأ في جسِّ الفشل وتداول الإحباطات، لذا أفاقوا قبل أنْ تنتبه باقي الشرائح الليبية من سكرتها بما تناثر من مصطلحات ومسميات «ثوار» و«تحرير» و«انتصارات» و«انتخابات» و«دروع» و«لجان أمنية» و«إسناد» و«حرائر» و«عزل» و«طحالب» و«جرذان» وغيرها من مفردات مراوغة ومفخَّخة، وكما هي طبيعة الراب تحدَّثوا بالأسماء وبالوقائع كما لو كانت الأغنيات مناشير أو صحفًا شجاعة.

كشأن كل القيم التي أُعيد ترميمها وأنواع التعبير التي شهدت طفرة نمو متزايد في تلك الفترةن تشجَّع شبانٌ كثر واعتمدوا لغة الراب في التعبير عن التمرد ورغباتهم وأحلامهم

وعلى عكس كل أنواع الموسيقى الأخرى لا يلتزم هؤلاء (الرابرز) أو الفنانون بغير غضبهم النابض في جُمل لا يمكن لأغاني الريقي (الرايقة) ولا حتى المرزقاوي مهما شد الناس إليه كتُراث، وطبعًا ولا الكلمات الرصينة المهذبة والملحنة على مقام النهاوند أو الحجاز يمكنها أنْ تحتمل انتفاضة كاملة على سياقات المجتمع وترتيباته ورتابته، ناهيك عن نمطية ذائقته وثباتها المخيف، فالذين اختاروا الراب الذي أنتجته بيئات فقيرة ومحرومة في جامايكا وشوارع أميركا الخلفية، ومؤخرًا غالبية مدن وشوارع العرب وليست ليبيا استثناء لابد وأنْ لا يستأذنوا المجتمع أو يحترموه وهو الذي تسبَّب في فقرهم المعنوي والمادي، وليس مصادفة أنَّه قلب لهم ظهر المجن فغُيِّبوا عن برامج الراديوات التي أصابتها حمّى التدين الاجتماعي الشغوف بالمظهر وشكل ولغة السلطة..

وعوضًا عن استمرار هذه الأصوات الغاضبة كضمير وطني (نديروا عليكم زوووم باش نعرفوا كيف وعلاش ومني )* بصفة مراقب للكيانات التي تحكم البلاد منذ أربعة أعوام بغض النظر عمَن تكون شرعية ، أو موازية -كما تسمى سلطات طرابلس- أو ميليشيات غير أنَّ الشارع الليبي كعادته في انتهازيته البدائية مضى على دين حكامه الجدد، فتوقَّف عن احترام هذا الفن بل وكفَّره ولو بالصمت مثلما فعل بكل وجوه التعبير في ليبيا.. إعلام بمختلف أدواته: فن وموسيقى ومسرح وسينما وباقي أوجه الحياة.. ولهذا ليس مستغرَبًا أنَّ المغني الذي أوجعه (النحاس) الرصاص الذي حصد شباب البلاد اصطادته رصاصة في الرأس، وانضم إلى قافلة الخسارات ويطالب الكثيرون بعدم الاستماع إلى اسطواناته حتى لا يخلد في جهنم لأنَّه غنى: (اسمك مهمّش زيّ الطير من غير ريش ولدك باع روحه وجسمه باش يعيش حاجة إخّ إي لمّا بلادك ماتسواش.. بِعِت روحك ليها وباعاتك ببلاش)**
فعلاً.. إخّ إي.
_________
*Philosopher/RAZOR Records
**مغني الراب الراحل مراد الليو.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : قارئ ليبي

    26.02.2015 الساعة 08:41

    شكرا لكاتبة المقال فعلا عبرتي عن تقافة نسوها الناس بسرعة للاسف وكانهم ما يعرفوش قيمة الراب ،،، يا ريت فيه ناس هلبا زيك يهتمو بقيمة الفن الحقيقي اللي يهدف لتغيير ليبيا للاصلح بدل من لغة السلاح اللي عاشوها الناس من سنة 2012 لليوم