حكاية بنت اسمها نسرين..

سعاد سالم |
سعاد سالم

إلى العمل يارفاق.. بهذه التيمة.. تبدأ نسرين ساعات عملها في مصحة للتوليد.. وكممرضة مناوبة ليلية في أول ملاحقتي لما كانت تكتبه عن عملها.. مثل(البيبّيات ماخلونيش نكمّل لكتاب الفلاني) كانت لاتكتفي بحمل مثابرتها معها بل وكتبا أيضا وهكذا يمكنني تصورها تجلس تحرس الكلمات وحاجات المواليد الجدد ويمكنني من مكاني حيثما أكون وأنا أقرأ مدوناتها أن أشم رائحتهم وهي تضع في حضنها واحدا منهم حينما يصير شديد البأس في البكاء.

هذه الممرضة الليبية- وهي بالمناسبة ليست محض خيال كما وأنها جميلة- تسرد بشكل آسر بضعة حكايات تحدث معها يوميا.. في الطريق أو في المصحة مع الأمهات ومع المسلحين الذين بشكل أو بآخر لابد أن تصطدم بهم أو بنواياهم المسلحة وعلى مدار الأربعة أعوام الأخيرة ظلت حياتها تتسع وتضيق في آن.. فهي تارة في نادي القراءة مقترح لشابات وشبان داوم على الالتئام حتى انطفأت أخباره.. ثم في مجموعة تنوير التي بدورها(لُضمت) سريعا ورويدا غفت أخبارها إلى أن سكتت ولن أقول انفرطت.. وهاهي في مهرجان الكتب المستعملة الذي نُظم لعام واحد ثم توقف، فمجلس السادات البدري وقتها والأخ العرادي رأيا فيه مايرى الإسلام السياسي في هكذا تجمعات وفي هكذا كتب.. حرمة بيّنة فوجدا له ألف تقية لوقفه.. و فيما بعد في المظاهرات التي انتظمت في ميدان الشهداء تحمل لافتة أو ترفع صوتها بالهتافات.. (تبّي) جيش و(تبّي) شرطة.. وهي من صدّقتُ رغبتها أكثر من كل المسئولين الذين جاءت بهم الأصابع المحبّرة أو قفزوا للحكم بتفعيل قانون العزل، وأخيرا في المظاهرات التي أيدت الجيش في حربه على إرهاب الشريعة من أنصارها حتى توقفت مؤخرا، أعني المظاهرات، بعدما أكملت الميليشيات الجهوية المتحالفة مع الميليشيا الإسلامية إحكام سيطرتها على قلب طرابلس ومنعت الخروج إلا ضد الجيش وضد البرلمان المنتخب ومع حكم الشريعة.

وكنت كلما أرى جملتها إلى العمل يا رفاق.. أشعر بأنني معنية وأكاد أقول: هيا بنا.. كأنني زميلة في نفس القسم أو جارة يأخذنا ذات الحماس والمشوار وإن إلى عملين مختلفين

وبينما تتلاشى الفرحة عند البعض وتغمر الكثيرين الخيبة ويفر البعض مثلي واصلت هذه النسرين ارتداء زيها البنفسجي في المواعيد المقررة وظلت تحتفظ بالبسمة الخلابة ذاتها والتيمة ذاتها وفيما المزيد من النساء يهتفن بالخمار في تجمعات بائسة لعورات- هكذا يرين أنفسهن- انضمت إلى آلاف الليبيات اللاتي يقدن حيواتهن و سياراتهن وسط السخط الرسمي والذي ستحوله سلطة القرون الوسطى إن تمددت إلى جماهيري.. وبدت نسرينا في محاولاتها المتعلقة بالتأني في زمن العجلة ودهس كل القوانين والضعفاء أن تحتفظ برزانتها وعنادها حتى أنها تضع بصبر مفردات السباب التي يلقيها عليها القوم من السائقين الذكور في مدونة لها بمناسبة دخولها ميدان الجهاد الجديد الطرق.. دون أن يجعلها هذا تأخذ خطوة للوراء.. وكنت كلما أرى جملتها إلى العمل يا رفاق.. أشعر بأنني معنية وأكاد أقول: هيا بنا.. كأنني زميلة في نفس القسم أو جارة يأخذنا ذات الحماس والمشوار وإن إلى عملين مختلفين.. و متى ما لمحت مفرداتها الثلاث شعت عيناها في خاطري وتغمرني بهجة أن هناك شيئا جميلا مازال يحدث وسط وفرة البطالة وتعابير وجوه الممرضات في ممرات المستشفيات المكتظة بالأنين والواسطة وبغلظة إجاباتهن أو لامبالاتهن التي يوزعنها بعدالة.. فتجعلني نسرين على استعداد للمرض وللولادة وللتجوال وأنا أصفر في طرابلس.. بل أحيانا أهم بقطع تذكرة إلى بلدة في الجنوب أو شرقا من فرط ما تجعل اللحظات التي تتركنا فيها قاطعة طريقها إلى الكائنات الليبية الجديدة حارة وصادقة وممكنة وآمنة فأشيعها بالدعاء وبقليل من قلق كما لو كانت شقيقة أو ابنة تفتح باب البيت خارجة لشئونها التي هي بعض شئوننا لو تفهمونني..أعني إتقان العمل.. وتستدرجني أحلام يقظة لطيفة إلى نظافة الأزقة وسيارات الأجرة والطبي والمقصف وفناء المدرسة برأس الشارع الذي أقطنه وإلى الغابات التي شاركتُ في حملات تشجيرها طفلة لازالت كثيفة طويلة تلجم السافي والريح وأنني بمجرد أن أهم بنزول الدرج يبادرني الجار الملتحي و المتجهم.. ببسمة وبيده محييا وهاتفا.. إلى العمل يا رفيقة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات