الإصلاح..«المُنتظَر»!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

في أعقاب أي مجزرة أو جريمة تهزُّ المجتمع ويذهب ضحيتها عشرات الأبرياء، يسهل علينا بسرعة تعليق التُّهم على شماعة المؤامرة، سواء كانت من الداخل أو إنْ شئنا الاستسهال أكثر علَّقناها في رقبة العدو الخارجي!

ففي مجتمع لا يُحاسَب فيه القاتلُ على جريمته، ولا المنحرفُ على سلوكه، لا نتوقع الخير، ولا ننتظر نهاية لمسلسل العنف والقتل الجماعي الذي نتابع حلقاته بشكل يومي.

الشرطة أو جهاز الأمن في العالم ينقسم إلى نوعين: الأول مهمته توفير الحماية للمجتمع، عن طريق تطبيق القانون ومنع وقوع الجريمة بالطرق الاحترافية الذكية التي لا يشعر بها المواطن العادي. هذا النوع متوافرٌ بشكل حصري لدى الدول المتحضِّرة التي تقدِّر قيمة الإنسان وتُسخِّر كل الإمكانات لرفاهيته وسعادته وأمنه.

أما النوع الثاني من الشرطة، فعبارة عن عصا غليظة في يد حاكم مستبد يخيف بها مواطنيه ويهوي بها على رأس مَن يشك في تمرده أو يطالب بمساءلته أو يسعى للحصول على حقوقه الأساسية.

هذا النوع من الشرطة متوافرٌ بشكل حصري أيضًا لدى الأنظمة العربية وما على شاكلتها من الحكومات المتخلفة التي لا تضع لحياة الإنسان أي وزن ولا يهتزُّ لها رمشٌ وهي تنتهك كرامته وتصادر حريته بطريقة ممنهجة.

بعيدًا عن مجزرة«الدفاع الجوي» الأخيرة، وبصرف النظر عن المتسبب أو المتورط فيها، أتوقع ألا تكون الواقعة الأخيرة من نوعها. والسبب أننا اعتدنا مكافأة المخطئ ولا ندين المذنب.
لم يسأل أحدٌ في مصر نفسه عن السبب الحقيقي وراء غضب وخروج الناس في 25 يناير 2011؟

ففي استعراض سريع للأحداث التي سبقت ذلك التاريخ سنجد ثلاثة حوادث كبرى كانت فيها الشرطة متهمة بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لبعض المواطنين. بدءًا بجريمة قتل الشاب خالد سعيد، والسلفي سيد بلال ثم تفجير كنيسة القديسيْن في الإسكندرية.

تلك الحوادث وغيرها فجَّرت لدى المصريين، وبالذات فئة الشباب، براكين الغضب الكامن ضد عنف أجهزة الأمن، مما دفعهم للاستماتة في وجه رصاص شرطة حبيب العادلي، التي صبَّت على رؤوسهم شحنات ضخمة من الغاز ومياه الصرف وغيرها من أدوات القمع الرهيبة التي فشلت كلها في كسر إرادتهم حتى حسموا معركة يناير لصالحهم.

النوع الثاني من الشرطة عبارة عن عصا غليظة في يد حاكم مستبد يخيف بها مواطنيه ويهوي بها على رأس مَن يشك في تمرده أو يطالب بمساءلته

هنا أستعيد ذكريات مضحكة مبكية عندما تولى الإخواني محمد مرسي السلطة، بدلاً من إصلاح الشرطة وإعادة هيكلتها وتنقيتها من الفكر العقيم الذي يقوم على الإرهاب والتخويف، وقف على الملأ يشيد بهم حتى وصلت به البلاهة إلى حدِّ وصفهم بـأنَّهم«أبطال» ثورة يناير؟!

بعد«انتكاسة» الإخوان في الحكم وما ترتب عليها من ضياع ثورة يناير وتبدد أحلام الشباب، بعودة مبارك والعادلي وباقي أفراد العصابة إلى مقاعدهم بعد«حكم» البراءة، أصبح طبيعيًّا أنْ تعود الشرطة إلى سابق عهدها الذي اعتادت عليه وتعايشت معه خلال العقود الماضية، فكان طبيعيًّا أيضًا أنْ تعود عمليات القتل العشوائي مرة أخرى، وأنْ تتكرر المجازر والجرائم التي دائمًا ما تكون الشرطة وأجهزتها الأمنية متورطة فيها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ربما يتهمني البعض بالتحامل على الشرطة ويعيد تذكيري بأيام الانفلات الأمني وما رافقها من مظاهر البلطجة والعنف في الشارع وما تجرَّعناه من مرارة الفوضى خلال تلك المرحلة، فضلاً عن عشرات الضحايا الأبرياء الذين يتساقطون من رجال الأمن أثناء مطاردتهم للإرهابيين والمجرمين في أنحاء متفرقة من البلاد، على أساس أننا وهم أصبحنا هدفًا سهلاً وضحايا لنار الإرهاب التي تشتعل في جسد مصر والمنطقة.

نعم.. بالفعل هم الواقفون بالصفوف الأولى في معركة مصر مع الإرهاب الأسود الذي يحاصرنا من كل اتجاه، وأزيد.. هم أيضًا الذين يدفعون ثمنًا باهظًا للأخطاء التي وقعنا فيها جميعًا خلال فترة التحوُّل السياسي لمرحلة ما بعد ثورة يناير وما صاحبها من انتهازية وقصر في نظر البعض، لكن كل هذا كان يستدعي من المجتمع أنْ يكون صريحًا مع نفسه وأنْ يُشرِع في إصلاح منظومة الأمن برمتها فورًا وبلا تأخير.

إنَّ التعجيل بالإصلاح المنشود لمنظومة الأمن يصبُّ في مصلحة الشرطة والشعب في آنٍ واحدٍ، بحيث تصبح لدينا شرطة مهنية محترفة تسهر على تحقيق وظيفتها التي وُجِدت من أجلها وفقًا للدستور والقانون. ساعتها سوف تختفي ظاهرة القتل السهل، ولن تكون هناك خصومة ولا ثأر بين الشعب والشرطة لأنَّه لا يمكن أنْ يعيش شعبٌ بلا شرطة ولا توجد شرطة دون شعب.

وإلى أنْ يتحقق ذلك الإصلاح المُنتظَر لمنظومة الأمن والشرطة في مصر، لن تصدمني مجزرة«الدفاع الجوي» ولا«بورسعيد» ولا«العريش الأولى» و«الثانية» بعد أنْ تحوَّلت أخبار النكبات إلى خبز شديد المرارة نتناوله بشكل يومي على موائدنا ونحن صاغرون!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات