مصر..«الثلاثية»

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

تعلمنا من كتب التاريخ أن مصر كانت في الأصل قطرين، إلى أن تمكن الملك الفرعوني«مينا» منذ 3200 سنة ق م، من توحيدهما في قطر واحد، كما علمتنا الأيام أن مصر تتكون من وجهين قبلي وبحري، وأن النيل جعل منهما أمة واحدة ظلت موحدة منذ فجر التاريخ حتى قبل 3 سنوات مضت، عندما ابتلعت جماعة الإخوان المسلمين الطعم بسذاجة وصدَّقت أن عرش مصر دنا منها واقتربت لحظة إعلان الخلافة!

خطيئة الإخوان العظمي لن يدفعوا ثمنها بمفردهم، فقد ورطوا المجتمع كله في تسديد فاتورة باهظة التكاليف.. هذه الفاتورة تم دفع جزء منها فورًا بنظام الكاش في ليلة سقوطهم المدوي، والجزء الآخر سيدفعه كل مصري بنظام الأقساط على حساب المستقبل، ويبدو أن الدفع سوف يستمر لسنوات طويلة، فالخسائر ليست مالاً واقتصادًا فقط بل أرواح وبشر أيضًا.

لعل الملك «مينا» حزين في مقبرته، لأن القطرين اللذين وحدهما، أعادت خطيئة الإخوان تفريقهما مرة أخري، فواقع الحال يشير إلى أن المصريين اليوم أصبحوا ثلاثة فئات، كل فئة تنظر إلى الأخرى بريبة وألم واحتقان.

الفئة الأولى هي الأكثرية، لأنها تضم شريحة عريضة من المجتمع بعضهم فلول النظام السابق والأقباط وحزب الكنبة، وأتباع نظرية عاش الملك مات الملك، وكتائب مرتزقة الإعلام الذين لا ضمير لهم.. هؤلاء جميعاً يتشاركون في معاداة ثورة 25 يناير ويعتبرونها شراً مستطيراً ولم تجلب على مصر سوي المعاناة والمتاعب، كونها مجرد مؤامرة دبرها الأعداء في ليل بهيم.. أصحاب هذه الفئة استبشروا خيرًا بزوال حكم الإخوان مبكرًا، ويعتبرون الرئيس السيسي مبعوث السماء لإنقاذ مصر من عثرتها.

الفئة الثانية هي الأقلية لأنها تضم أعضاء جماعة الإخوان والمؤيدين لهم، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم 3 ملايين على أقصى تقدير، يرون أن محمد مرسي ولي من أولياء الله الصالحين ومهدي الأمة المنتظر الذي سوف يصلح أحوالها بخطبه النارية وأفكاره النادرة، وأنه لا يزال الرئيس الفعلي للبلاد وينتظرون عودته على طريقة الشيعة في انتظارهم الإمام الغائب!!.. هؤلاء يتمتعون بقدر كبير من الطيبة والبساطة في التفكير مما دفعهم لأن يتباركوا بأي شخص ملتح يحرص على أداء الصلاة في أوقاتها.

لعل الملك «مينا» حزين في مقبرته، لأن القطرين اللذين وحدهما، أعادت خطيئة الإخوان تفريقهما مرة أخرى، فواقع الحال يشير إلى أن المصريين اليوم أصبحوا ثلاثة فئات، كل فئة تنظر إلى الأخرى بريبة وألم واحتقان.

أما الفئة الثالثة والأخيرة، فأقل من الأولى وأكثر من الثانية من حيث العدد، فهي تمثل العمود الفقري للمجتمع المصري، وتتشكل منها الطبقة المتوسطة بكل تنويعاتها، ويتطلع أتباعها إلى الحرية والعدالة والكرامة، ومنها خرج أحمد بكير، سالي زاهر، الشيخ عفت، مينا دانيال، وأخيرًا شيماء الصباغ وغيرهم ممن ضحوا بأرواحهم الطاهرة من أجل تحرير هذا الوطن واسترداده من طغمة فاسدة قاتلة.

يختلف أتباع هذه الفئة أيضًا عن أنصار الفئتين الأخريين في أمور عديدة، فهم أكثر استقلالاً، وأعمق فكرًا ويحلمون بوطن حر كريم خال من الفساد والاستبداد، يتسع لجميع أبنائه بمختلف انتماءاتهم وعقائدهم.

أعتقد أن أتباع هذه الفئة المهمشة حاليًا يشكلون ضمير مصر الحي والحقيقي، كما يشكلون دائمًا رقمًا صعبًا في أي معادلة سياسية مقارنة بالآخرين، لأن أتباعها لديهم رؤية معتدلة للدين والحياة معًا، ومقتنعون بأن الديمقراطية والحرية هي السبيل الوحيد لخلاص مصر من المأزق الذي أوقعها فيه أنصار الفئتين الأولى والثانية، ومن ثم فإنهم يتحلون الآن بالصبر ويتأملون حلقات الصراع الجاري بحسرة وغضب، لأن الجميع يتشارك في تسديد الأقساط حتى لو التزم بعضهم الصمت ولم يشارك في الجرائم التي ترتكب بحق الوطن.

مع استمرار الصراع بين الفئتين الذي ربما يتخذ صورًا أكثر عنفًا ودموية، يتساءل الجميع متي تنتهي«ثلاثية» مصر المرعبة وتعود الطمأنينة والبسمة من جديد إلى وجه الملك«مينا» العظيم؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات