الطيب والقبيح في السيناريو الليبي

بشير زعبية |
بشير زعبية

أبسط الاستنتاجات أو النتائج، إن شئت، لما يحدث الآن على الساحة الليبية منذ أن رفع اللواء المتقاعد خليفة حفتر شعار "معركة الكرامة" ضد "الإرهاب" هو أن المشهد في ليبيا قبل هذا المستجد لن يكون هو ما بعده.. وسأستند هنا إلى ثلاثة معطيات أساسية في هذا السياق:

أولاً: إن سؤال أين الجيش؟، وهو السؤال الذي ظل يتردد طوال السنوات الثلاث الماضية وكأنه يطلق في الهواء أو يوجه إلى الـ(لا أحد)، ثمة الآن من يحاول الإجابة عليه على الأرض ويقول نحن الجيش، إننا هنا.

ثانيًا: إن التشكيلات المسلحة المؤدلجة التي فرزت نفسها منذ البداية في كتائب ومقار بعينها واستعجلت المواجهة بالدم أحيانًا (اغتيالات) وباستعراض القوة أحيانًا أخرى (عرض الأرتال في الشوارع) وُوجهت بحقيقة لم يكن يستوعبها قصر نظرها، وهي أنها ليست وحدها القوة الموجودة، وأن ثمة قوة أخرى على الأرض تواجهها، بل وتتحداها وتهدد بضربها، وهي قوة الجيش الذي جعلته في استراتيجيتها هدفًا مؤسسة وأفرادًا، وكانت تعتقد أنها تمكنت منه.

ثالثًا: إن إدانة الإرهاب والمطالبة بجيش وشرطة تحولتا إلى نوع من الحالة الشعبية، وربما الوطنية أيضًا، وفي توصيف آخر هو استفتاء شعبي يدلل على رفض الليبيين لمنهج العنف والإرهاب وتمسكهم ببناء دولة المؤسسات وعلى رأسها الأمنية منها ورفض ما عداها من أجسام مهما كانت مسمياتها، وهو اصطفاف واضح يحدد ملامح حركة الشارع الليبي في المرحلة المقبلة.

رابعًا: ما حدث أجبر بالضرورة الخارج على إعادة قراءة للمشهد الليبي قد ترسم خطوطًا وتنسج خيوطًا جديدة في العلاقة مع الداخل والقوى المؤثرة فيه، وحجم الالتفاف الشعبي حول قياداتها، ومدى قدرة هذه القيادات على الإدارة، وهو ما لم يكن متاحًا من قبل بالقدر الذي يمكن أن يبني عليه الخارج ويحدد خريطة طويلة الأمد للتعامل مع الداخل الليبي الذي ظل طوال المرحلة الماضية مربكًا للخارج، وبالتالي مربكًا للمشهد برمته.

من هنا يمكن اعتبار السنوات الثلاث التي أعقبت سقوط النظام السابق حتى إعلان "عملية الكرامة" مرحلة، وسنسمي ما بعدها مرحلة جديدة، وقد بدأت مع الحراكين العسكري والشعبي وستكتسب زخمها السياسي مع دخول الحالة الانتخابية بتحديد موعد الانتخابات البرلمانية التي لن تكون بعيدة عن تأثير حراكي العسكر والشارع.

ما قد يزيد من تعقيد الحالة أو المواجهة هو أن الإرهاب المشخصن في الجماعات المستهدفة قد يدافع عن موقعه بمزيد الإرهاب وبأنماط رأيناها في غير ساحة

هذه قراءة بمنأى عن السيناريو الآخر الذي قد ينتج ما نسميه الصورة الأسوأ في المشهد، افتراض قدرة الطرف المقابل (التشكيلات المستهدفة بعملية الكرامة وامتداداتها) على الصمود والمواجهة واستقطاب شكل ما من دعم الخارج، أو إجبار الخارج نفسه على قراءة ثالثة للمشهد تلزمه بالتأني وانتظار شكل الحسم؛ مما قد يطيل المواجهة ويقلل من درجة حرارة الشارع، وربما يربكه ويعيده مرة أخرة إلى موقع المتفرج وإلى حالة الترقب والانتظار والدعوات بتقليل تكلفة الصدام، وما قد يزيد من تعقيد الحالة أو المواجهة هو أن الإرهاب المشخصن في الجماعات المستهدفة قد يدافع عن موقعه بمزيد الإرهاب وبأنماط رأيناها في غير ساحة، من أفغانستان إلى لبنان مرورًا بالعراق واستحضارًا لجزائر التسعينات والصومال الحالي، والمقصود هو التفخيخ والتفجير والاغتيال والقتل الأعمى الذي يهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية لترهيب الشارع وحشره في زاوية الرعب ومن ثم تحييده قسريًا، ما يحرم حراك العسكر من حاضن مهم وقوة دفع غاية في التأثير لتقليل زمن المواجهة وإعلان الحسم.

الآن، وفي سياق كل هذا يستوجب طرح السؤال: أي مسار سيفرض نفسه في هذا الوقت الفاصل بين الحراك الحالي والمرحلة التي قبله؟ أو لمن سيكون الفعل الحاسم للسياسة (السلم) أم للقوة (العنف)؟ هذا أيضًا سؤال مربك، فمعطيات الخيارين موجودة بوضوح في المشهد الليبي، هناك سيل من المبادرات السياسية في الداخل إن من نشطاء المجتمع المدني، ومن القوة الفاعلة في كبريات مناطق البلاد، أو من أطراف في الحكومة، وكل هذه المبادرات تتبنى هدف تجاوز هذه المرحلة سلميًا في إطار الشرعية والحفاظ على الخيار الديمقراطي، وعلى مستوى الخارج هناك الآن هجمة دبلوماسية عبر موجة من المبعوثين إلى ليبيا، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي أن مبعوثه سيصل البلاد خلال هذين اليومين، وسمت فرنسا مبعوثها، وحذت بريطانيا حذوها بتسمية مبعوثها، ودعت إيطاليا الأمم المتحدة إلى إيفاد مبعوث أممي خاص إلى ليبيا على خلفيات ما تشهده من تطورات. ولم تنتظر جامعة الدول العربية أكثر فسمت مبعوثًا لها في ليبيا؛ مما يعني أن ماكينة العمل الدبلوماسي السياسي ستسعى إلى إدارة الأزمة عبر المسار السياسي. لكن في الوقت نفسه هناك إصرار من مطلقي "عملية الكرامة" على الحسم العسكري وتأييد شعبي لا يستهان به لهذا التوجه، وهناك تحشيد مسلح على الأرض ظهرت فيه أسلحة جديدة ليست من مخلفات سلاح النظام السابق، وينسب الكثيرون مصدرها إلى دول بعينها، قد تجد هذه الدول نفسها داعمة للكتائب التي تتسلح بسلاحها، أما الكلمة السحرية التي قد تجد أجنحة نافذة تتلقفها في الدول الفاعلة فهي (الإرهاب) أو (الحرب على الإرهاب). فأميركا على سبيل المثال وهي من أدرج جماعة أنصار الشريعة على قائمة المنظمات الإرهابية، ولا تستبعد تورطها في مقتل السفير الأميركي في بنغازي وفي مواجهة مزايدة الجمهوريين على الديمقراطيّين حول هذه المسألة عشية اقتراب انتخابات الرئاسة، قد تنساق وراء فكرة وجود وكيل لها في الاقتصاص من تلك الجماعة- ولم لا - يخوض حربًا بالوكالة على "الإرهاب" في ليبيا بعد تزايد شكاوى دول الجوار من خطره وامتداداته. ومن شأن هذا أن ينجيها من تدخل مباشر للقيام بهذه المهمة وهو ما سيثير، لو حدث، ردود فعل سلبية قد تؤثر على مسار علاقتها مع الداخل الليبي مستقبلاً؛ لذلك قد تنحو "عملية الكرامة" في السيناريو الآخر منحى حرب الآخرين غير الماشرة على "الإرهاب" في ليبيا ضمن استراتيجية الحرب على الإرهاب في العالم.

إذن، نحن أمام سيناريو الطيب والقبيح في المشهد الليبي، إما حلحلة سياسية سريعة أو حسم عسكري مؤجل غامض النتائج، لكنّه قبيح مقبول، في الوقت نفسه، لدى نسبة كبيرة من الليبيين. وفي الحالتين، نقف الآن على عتبة مرحلة تنتج كل يوم معطيات تشكل ملامح متغير جديد يجعل المشهد الليبي ليس هو ما قبل الأحداث الآخذة في التطور حاليًا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات