دفاتر قديمة جديدة

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

هذا المقال، وجدته في مدونتي الممتلئة برؤوس أقلام، وبضعة مواضيع أخرى. قرأته، لكنني لا أتذكر إن كنت قد نشرته من قبل أم لا؟. والأدهى أنني لا أتذكر أنني كتبته، وظللتُ في حيرتي ما بين الاعتراف بأن الزهايمر يطرق بابي، أو أنني كذاك الذي يعود لدفاتره القديمة عند إفلاسه. غير أن هذا الذي يعود لدفاتره القديمة أثبت لنا، منذ أسبوع فقط أنه لا يملك دفاتر قديمة وإنما دفترا واحدا منسقا ومتسلسلا، متجه نحو هدف محدد لاينوى أن يحيد عنه حتى يصله؛ وانتبهتُ إلى أنه جعل حاكم البيت الأبيض يحتقل له بعيد الأنوار أو (الحانوكا) يوم 7/ 12/ 2017 قبل ثلاثة أسابيع من احتفال شعبه بأعياد الميلاد.

أعترف، أيضا، وبشجاعة، أنني لم أستطع أن أكتب جملة واحدة عن القدس، لأنني عاجز جدا عن إيجاد كلمات تتناسب والصدمة، ورؤيتي أن مشروع هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل أمر قادم لا محالة. وأنني، مثل بقية الملة، في عجز تام عن التصدى لهذا المخطط.

إنه العجز الذي عبرت عنه في المقالة التي ذكرتها مطلع حديثي. دعونا، إن كان وقتكم يسمح، نقرأها معا. فلقد قلت تحت عنوان "الغبن والقبح" منذ أكثر من ثلاث سنوات، التالي:
"يوم واحد مكرر حتى صرنا من كثرة تكراره نجهل الفرق بين ليله ونهاره" بهذه الجملة المحزنة، التي كتبها الأستاذ إبراهيم بوشناف في صفحته بدأت يومي، بعد ليلة مزعجة ممتلئة بغبن وقهر خانقين، بسبب التردي والحالة التي وصلنا إليها، وكثرة اللصوص، والمجرمين، والقتلة، والمتربصين، وصيادي الصفقات والمناصب، فيما يتلصص من النواصي، وخلف الأسماء المستعارة، صائدو المياه العكرة والمرضى، و "المتلونون".

أنا أعرف تماما مرارة الإحساس بالضياع، عندما تفتح عينيك وأنت ما زلت في مضجعك، فيما تتراجع وتعود أحلامك المزعجة إلى " ثكناتها" تتطلع إلى عودتك ثانية للنوم لتهاجمك بعنف تكره معه دفء فراشك. تفتح عينيك بحذر، تستعيد وعيك بحذر، هل الأمور كما تركتها قبل أن تنام الليلة الماضية؟. هل مازال عدد الضحايا مثلما كان؟. هل سقط ، أو خُطف، أحد؟. هل هُد بيت جديد؟.
تصحو وأنت لا تدري ماذا سيحدث بعد قليل ترى أطفالك يمرحون داخل الغرفة، الباب مقفول يمنعهم من الخروج إلى حديقة بيتهم حيث كانوا يمرحون قبل الزج بهم في هذا النفق المظلم، خشية أن يصطادهم قناص، أو قذيفة عشوائية.

إنها ليست أربع سنوات فقط- بمقدورك أن تستبدل الأربعة بسبعة ويضاف إليها عجاف- مثلما يقول، الآن، معظم رجال ليبيا، وإنما قرابة ستين عاما بالنسبة لي.

كنت في بداية حياتي منطلقا بحرارة، وحماس تدفعني قوة الشباب، كنت مثل معظم جيلي نرى الكمال في قيام الوحدة العربية، وأن حكومتنا رجعية، في حين ، أن الأمر لم يكن كذلك. فقد كانت الفرص متاحة للجميع لكل من يريد أن يخرج من دائرة فقره، وجهله. المدارس مفتوحة ليلا ونهارا للجميع والجامعات تقدم للكل منحة وقيافة مميزة، وفرصا لترى العالم خلال العطلة الصيفية ولا تشترط إلاّ أن تكون متفوقا في دراستك ونشاطك الطلابي. لم يُعتقل أحد بجدية، بل حتى الذين حاولوا الاستلاء على الحكم من خلال انقلاب لم يعدم منهم أحد. اقتصرت الأحكام بالسجن ولم يكمل أي منهم مدة سجنه. كان القانون فوق الجميع ولقد أصّر المرحوم الملك محمد إدريس السنوسي على تنفيذ الإعدام في ابن عمه وصهره لأنه قام بأول عملية اغتيال في الشارع جهارا نهارا من دون سبب مقنع، وأدانته المحكمة بالإعدام، ولم يتدخل الملك ولم يقبل وساطة من أحد. كان القانون فوق الجميع، وما إن بلل البترول صحراءنا، حتى أحسسنا جميعا بالخير، تضاعفت المرتبات وأُقرت علاوات السكن والعائلة، ولم تتوقف الطائرات عن نقل المواطنين للعلاج في أنحاء العالم، بدأت البلاد تستمتع بالرفاهية والعدالة والأمن والأمان.

ومع ذلك انطلقنا مهتاجين، منفعلين، وراء شعارات لم نعرف قائلها إلاّ بعد عشرة أيام من قيام عهد سبتمبر، الذي يُخطئ من يقول أننا لم نسمِّه في البداية ثورة. ويخطئ من يقول أنها لم تصحح بضعة أشياء كنا جيل ذلك العهد نشتكي ونتحسس منها.

ولكن الأمر لم يطل. قد بانت ممارسات غريبة على مجتمعنا، وظلم وتجهيل وإقصاء متعمد، فيما برزت فئات بعينها. لست بصدد تناولها فلقد كتب الليبيون، بمن فيهم أنا، عن قهر ومساويء تلك الحقبة التي استمرت 42 سنه حتى وصل أشده، خصوصا على أي صوت يحاول أن يعلو على صوت " قائد" المرحلة، و يخطئ من يقول أن المواطن (الأليف) لم ينعم بالأمن والأمان، وهو بالتحديد ما يفقده الآن، الذين لم يستطيعوا أبدا، النزوح وترك مدنهم بسبب فقرهم، فينامون تحت القصف ويصحون عليه.

لا أريد أن أتطرق إلى الذين يتبادلون هذا القصف، ولكنني عندما قلت نريد الأمان الذي كان؛ كنت أوجه كلامي إلى الذين يعرقلون التوافق، فيما يموت الأطفال أمام أعينهم بسبب القصف العشوائي وقلة الدواء والعلاج، والموت من الغبن أمام المصارف.

كان ما قلته يوم أمس، في القناة العربية، موجها لأعضاء البرلمان، الذين استلموا ما يرون أنه حقهم قبل أن يتموا مُهماتهم، وأوجه أيضا إلى "الغاوون" المرتاحين في عواصم العالم، الذين يُرافقونهم، تماما مثلما يرافقون أعضاء المؤتمرـ قد يستبدل المؤتمر بمجلس الدولة- القائمة مدته بقوة السلاح.

كان كلامي، وسيظل موجها إلى الذين سيقفون عاجلا أم آجلا، أمام الله، وعبثا أن يتفننوا في تبرئة أنفسهم. كل ما قلته وسأكرره أن الناس تريد الأمن والأمان والراحة والهناء وتبا لأي حاكم كان، لا يحقق ذلك كله للفقراء الذين يرددون كل يوم: "ربنا لا تُؤاخذنا بما فعل السفهاء منا".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات