"القدس" عاصمة تنظيم الدولة اليهودية!

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ما بين اعتراف الرئيس الأمريكي الديمقراطي، ترومان (Truman)، بقيام الدولة اليهودية على أرض الشعب الفلسطيني، واعتراف الرئيس الجمهوري ترامب (Trump) بالقدس عاصمة لهذه الدولة، 69 عاما ونصف العام. وليس التشابه فقط في الحروف الأربعة الأولى فقط من اسميهما (TRUM)، ولكن في الظروف المحيطة بهذين الاعترافين.

خصوصا وأن العرب لاهون في عواصمهم المحتلة أو المنقسمة أو المفككة، بعضها محتل من ميليشيات، وبعضها محاصر بالجماعات الإرهابية، وبعضها خائف من التوسع الفارسي، وبعضها مثقل بالديون وازدحام المتسولين على أرصفتها.

كان العالم وقت الاعتراف الأول في بداية خروجه من الحرب العالمية الثانية على النازية العنصرية، والعالم الآن في بداية خروجه من الحرب العالمية الثالثة على داعش النازية، وفي الحالتين كان المستفيد هذا الكيان العنصري الذي يجمع بين مبادئ النازية العنصرية، وعقيدة داعش القائمة على فكرة الدولة الدينية الصافية، وحيث المستفيد هو الاستراتيجية الأمريكية التي يدعمها هذا القرار الذي تدينه تصريحات العواصم العربية المكلومة لكونه سيؤدي إلى مزيد من الصراع، وزعزعة الاستقرار، وتقويض مساعي السلام، وتحفيز الفكر المتطرف والجماعات الإرهابية، في المنطقة. وهذا بالضبط ما تريده السياسة الأمريكية للمنطقة.

مرت ما تسمى الأمة العربية خلال هذه السبعة عقود بأحداث وتقلبات كثيرة، من حركات استقلال، وقيام ملكيات وإمارات جديدة، وانقلابات عسكرية، وانبعاث جمهوريات دون قيم جمهورية، وثورات دون ثوار، وحركات إسلامية إرهابية ونصف إرهابية، وانتخابات مزورة، ومشاريع وحدة إقليمية فاشلة، واغتيالات سياسية، وحروب مع تنظيم الدولة اليهودية، كلها لم تصب إلا في صالح هذا الكيان الذي كان دائما يخرج فائزا، خصوصا حين تفرغت كل هذه الأنظمة القمعية المتشبثة بالسلطة بأشكال مختلفة لقمع شعوبها، وأهملت مشاريع النهضة والتنمية والتحول الديمقراطي.

لم يتردد ترومان دقائق في اعترافه بأول كيان يؤسس على أساس ديني متشدد، ولم يتأخر ترامب ــ الذي اتهم جميع الرؤساء قبله بتأخرهم في هذا الاعتراف ــ سوى أشهر قليلة كي يفجر قنبلته المتوقعة، ويؤكد الاعتراف بعاصمة ودولة لم تُرسم حدودها بعد، ومازالت تخترق حدود كل الدول المجاورة لكيانها، مبشرة في المستقبل بما تسميه إسرائيل الكبرى.

في 13 مايو تلقى الرئيس الأمريكي، ترومان، رسالة من (وايزمان) يبلغه فيها أن حكومة يهودية مؤقتة ستباشر عملها يوم غد منتصف الليل، الساعة الصفر لميلاد الدولة اليهودية في فلسطين والجولان "ديفج". في الساعة السادسة من يوم 14 مايو أعلنت بريطانيا إلغاء الانتداب، وفي الساعة السادسة ودقيقة أعلن ترومان اعتراف الولايات المتحدة بدولة إسرائيل، وفي اليوم نفسه كانت تصل السفن المحملة بالمهاجرين اليهود من قبرص وأوروبا عموما، فالدولة قامت ولا ينقصها سوى شعب، وكان العمل على استيراد الشعب عبر البحر يجري على قدم وساق.

أمريكا التي يشبه قيامها كأمة على أنقاض أمة أخرى المشروع اليهودي اعترفت بالدولة الدينية قبل أن تعترف بها الدولة المنتدبة صاحبة وعد بلفور المصاغ بلغة توراتية. ما جعل المجلة الأمريكية ((The nation تعبر عن المعجزة التوراتية بقولها "أن دولة إسرائيل، على عكس روما، قد بنيت في يوم واحد. وخلال أربع وعشرين ساعة بعد انسحاب البريطانيين أصبح لليهود دولة تعمل بشكل كامل".

وكان الفلم الذي استغرق إعداده 31 عاما منذ وعد بلفور مُخرَجا وكل شيء جاهزا تقريبا ، وإلغاء الانتداب البريطاني هو بمثابة "أكشن" لبداية تصوير المشاهد التي مازالت مستمرة حتى الآن، وصولا إلى المشهد المؤثر لانتظار الكومبارس العربي لخطاب بطل القصة، ترامب، الذي سيعلن اعتراف يمينه بالقدس عاصمة لدولة داعش الحداثة، وعزمه على نقل السفارة إلى العاصمة العربية الوحيدة الناجية من إرهاب داعش المتخلف، موفيا بذلك وللمرة الأولى بوعد قطعه في حملته الانتخابية.

تقول الصحيفة الأمريكية (The New Republic) في افتتاحية عددها الصادر يوم 14 مايو 1948، تحت عنوان "تحية لإسرائيل" ما نصه "أخذ اليهود الوعود على أنفسهم في الأسبوع الماضي، وأوفوا بوعود أنبيائهم، وولدت إسرائيل ثانية، وعادت إلى أسرة الأمم كدولة في الميعاد المقدس، منتصرة على القياصرة والفهاروة والتعصب الإسلامي والسياسات المشككة.

يقول ترامب في خطاب اعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني " قبل 70 عاما، اعترفت الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس هاري ترومان بدولة إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، جعلت إسرائيل عاصمتها في مدينة القدس.

عاصمة الشعب اليهودي، التي أنشئت في العصور القديمة...... القدس يجب أن تبقى مكانا يصلي فيه اليهود على حائط المبكى" ، وليختم خطابه الذي أشار فيه إلى التعاضد لمحاربة التطرف الديني ، في سياق اعترافه بعاصمة دينية لكيان ديني متطرف، قائلا بورع جمهوري"شكرا لكم، بارك الله فيكم، بارك الله بإسرائيل، وبارك الله بالفلسطينيين، وبارك الله بالولايات المتحدة". في تركيبة عجيبة من المباركة يستحيل خلطها على أي كائن يمكن تصوره.

يضيف اليميني المتشدد ترامب "القدس هي ليست فقط قلب الأديان الثلاثة العظيمة (المسيحية واليهودية والإسلام)، لكنها الآن أيضا هي قلب أحد أنجح الديمقراطيات في العالم. مستأنفا المبدأ الأمريكي الذي يعتبر الديمقراطية مبررا لاحتلال أرض جديدة وإبادة سكانها الأصليين.

حاولت الرجوع إلى ما صاحب قيام دول في التاريخ من خطب وبيانات من أجل المقارنة، فلم أجد ما يشبه هذا الخطاب سوى خطبة أبوبكر البغدادي الذي أعلن الموصل عاصمة للدولة الإسلامية، منطلقا من "مظلومية السنة"، على غرار قيام تنظيم الدولة اليهودية المنطلقة من مظلومية اليهود. حيث استغرق قيام دولة الخلافة البغدادية 20 دقيقة هي مدة خطبة البغدادي بعاصمة الدولة (الموصل) التي دمرتها طائرات التحالف بزعامة أمريكا.

في حملته الانتخابية يعد ترامب بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وفي حملته الانتخابية يعد ترامب بالاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة اليهودية في فلسطين والجولان (ديفج). ولكن يبدو أنه لا تناقض بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة، لأن (ديفج) سليلة وعد بلفور المقدس، و (داعش) سليلة تنظيم القاعدة الذي صُنع في مختبرات وكالة المخابرات الأمريكية، وسليلة وعود كيسنجر، ومن بعده كونداليزا رايس، اللذين بشرا بالفوضى الخلاقة وبشرق أوسطي طائفي جديد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات