حضن الدفء والأمان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

السندباد ثم سمير مجلتان مصريتان تعلمنا منهما الكثير عندما كنا تلاميذ بالمرحلة الابتدائية، ولولاهما لكبرنا بمعلومات هداية الناشئين الجافة، والمحفوظات، والجمل سفينة الصحراء!. وبعدما وصلنا المرحلة الإعدادية، صارت الصحف، والمجلات المصرية كافة، التي تصل تباعا إلى المركز الثقافي المصري، الذي افتتحه السيد وزير التعليم، المرحوم كمال الدين حسين في بنغازي سنة 1953م، بمثابة نافذة مُشرعة واسعة على العالم، ومن بعده توالى افتتاح عدد من المراكز: الثقافي البريطاني، ثم الأمريكي، ثم مكتبات المعارف الليبية، التي كان جل كتبها من الإصدارات المصرية المتنوعة.

ظل الكتاب المصري هو المفضل لدينا، ثم لحقت به الرواية الغربية المترجمة، خصوصا تلك التي ترجمها المرحوم منير بعلبكي، ومن بعدها الإصدارات اللبنانية

وهكذا ظل الكتاب المصري هو المفضل لدينا، ثم لحقت به الرواية الغربية المترجمة، خصوصا تلك التي ترجمها المرحوم منير بعلبكي، ومن بعدها الإصدارات اللبنانية؛ فمصر ظلت هي الرائدة في المجال الثقافي. صحيح أن دولا عربية أخرى تقدمت، الآن، مزاحمة ومنافسة في المشهد الثقافي، ولكن مازال لمصر الصدارة، فأين هي المجلة، أو الصحيفة العربية، التي ليس من بين كوادرها خبرة مصرية؟. ثم ما هو المسرح العربي، غير المصري، وكذلك السينما التي ما زالت تتصدر اهتمامنا. ماهي القنوات، غير المصرية، التي لم تتجه إلى تركيا، بل بعضهم اتجه إلى الصين، صحيح أن هناك من اهتم بها وتابعها ولكنها مجرد رغبة في أشياء أخرى. هل هناك من زاحم المسلسلات الرمضانية، بالطبع أنا اقصد طول النفس والاستمرارية.

الثقافة التي نبهتنا إليها السينما، التي بمجرد أن تأخذنا إلى القرداتي، مثلا، أو الراقصة الغازية، التي شُخصت، ومثلت أدوارها، بامتداد الخمسينيات حتى السبعينيات، من قبل عدد من فنانات ذلك الزمن الجميل، هما من نبهنا إلى مجتمع النّور.

القرداتي تحديدا، شخصية وجدناها في حكايات السندباد وسمير، وظلت المعلومة بسيطة، مفادها أن النّور غجر جاءوا إلى مصر من الشرق، وأنهم قادرون على ترويض القرد، والرقص والغناء، وقراءة البخت، وضرب الودع. وعندما زرنا، أوربا كطلاب، ثم كسواح، عرفنا معلومات أكثر عن الغجر. وظلت المعلومة بهذا الحجم حتى قرأتُ بالصدفة عن مؤسسة سويسرية اسمها (برو جوفانتوب) أن لها مشروعا، منذ سنة 1926م، يسمى"الإحسان إلى أولاد الرحل" المقصود بهم أولاد الغجر، الذين نالوا الجنسية السويسرية منذ سنة 1850م. وكان المشروع، في الحقيقة، ينفذ خطة سويسرية سرية للقضاء على نمط الحياة الغجرية في مجتمعهم. كان أساس المشروع هو فصل الأطفال عن أمهاتهم وتربيتهم في مؤسسات داخلية صارمة يؤهلهم ليكونوا مواطنين بمواصفات سويسرية. ولكن، كما نعلم، أن أية معالجة لا تتفق وما خُلق الإنسان عليه، من نموه الطبيعي داخل أسرته وحنان ذويه، في الغالب، لا ينتج عنها إنسان سوي! سنة 1986م انتبهت سويسرا إلى فداحة أخطائها في هذا الشأن، فتخلت عن مشروعها، واعتذرت رسميا للغجر، وأسست عدة مشاريع لمساعدتهم ليكونوا جزءا طبيعيا من المجتمع السويسري مع احتفاظهم بهويتهم الثقافية.

ثم عرفت أن اصل الغجر قبائل جاءت من الهند في القرن الرابع عشر. جزء منهم اتجه إلى أوربا، واستوطنوا فيها وهم يعرفون بـ (الرومن)، و جزء منهم اتجه نحو الشرق الأوسط ويعرفون بـ (الدومر) وانتشروا في آسيا ووصلوا حتى أفريقيا. تقول المصادر إن تعداد الدومر حوالي 2.563.000 ثلثاهم استوطنوا مصرو39.000 استوطنوا في ليبيا!.

ما أريد الوصول إليه، هو أنه إلى الآن، بمقدور العاملين بالمؤسسات الأوربية المناهضة للتفرقة العنصرية، ناهيك عن المواطن الأوربي البسيط، أن يتعرفوا على الغجري مهما كانت ماركة ربطة العنق التي يرتديها!. ولكن هل بمقدور محمدين أو حنفي، أن يعرف الغجري، وهو يمد له جنيه ونصف ثمن ساندويش الفول، عندما يطلب منه القليل من المخلل؟. لا أعتقد ذلك، حتى وإن كان الزبون برفقته قرد!.
مصر يذوب فيها البشر ويصيرون مصريين أكثر من أحفاد الذين بنوا الأهرامات، المعروفين بسماتهم وعيونهم الجميلة المرسومة على آثار الأقصر! وكنوز نيفرتيتي. لقد ذاب في مصر الشراكسة، الأتراك، العرب، الشوام، المغاربة.. والغجر، ومِلل من الدنيا كلها. لهذا تسمية مصر: بأم الدنيا، ليست سوى تقرير عن واقع حال.

مصر، كانت وما زالت، حضنا دافئا، آمنا، لمن فقد حضن وطنه، ويريد أن يعيش في سلام! في مصر، دون بلاد الله كلها، يلتحم فيها الإنسان بأخيه الإنسان بود وهدوء، مثلما يلتحم الظل بالظل!.
مصر بلد الدفء والأمن والأمان؛ فليرعها الله بعينيه معا!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات