خدعوك فقالوا: المجلس الرئاسي!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
كنتُ مارا في مدينة بنغازي منذ ما يقارب العقدين قرب حديقة الحيوانات ما يُعرف بـ"البو سكو"- الكلمة إيطالية وتعني غابة والمكان كذلك- حين شاهدت غابة من الخيام البيضاء الأنيقة والمكان نظيف على غير عادته، لفت المنظر فضولي سألت أحد النظارة أجابني دون اكتراث: "القذافي"- القائد المعلم والمفكر الثائر- يرعى تجمعا أمر به لقبائل "العواقير"!، ازداد فضولي وفي المساء تردد في الشارع أن "القذافي" خطب في الجمع ما ملخصه: قبائل "العواقير" هم أهل وأصحاب أرض بنغازي ما حدودها في الغرب اجدابيا (160 كلم من بنغازي) وفي الشرق "العقورية" (80 كلم تقريبا) عند باطن الجبل الأخضر. وأنه طالب التجمع بـ "عوقرة المواقع" ما فُهم منه أن تكون المناصب المحلية والأماكن المُهمة في يد أبناء هذه القبائل. لم تُفهم أغراضه من ذلك مباشرة لكن سرى بين آل المدينة تأويلات عدة، بيد أن كافة الليبيين ومن مُهتم بالشأن الليبي تابعوا تحولات القذافي المُضطردة، خاصة عقب هزيمة تشاد من زعيم أممي وأمين القومية العربية إلى مُهتم ومُحرض على بعث القبلية من قبرها، ثم في غيرها طالب الليبيين بتلوين وجوههم بالأسود – في مرحلته القارية- توكيدا لأفريقيتهم...
هذا تقريبا ما استشرى عقب ثورة فبراير في البلاد فـ "الاخوان" التنظيم الديني الأممي فعل ذلكم كما غيره، حتى أن هناك شبه إجماع عند المتنازعين على السلطة في البلاد أن سكان شرق ليبيا من سرت حتى امساعد إلى الواحات حتى الكفرة هم فقط غولة قبائل: "العواقير والدرسة والبراعصة " وفي حالات تضاف قبائل "العبيدات"!

2-
أما عقب واقعة "الصخيرات" فقد تم وأد "مجلس النواب" بما سُمي "مجلس الرئاسة" الذي كون فعليا – وليس كما على الورق- من قادة فجر ليبيا زائد فائز السراج عضو المجلس الموؤد، هذه القيادة الجديدة القديمة وكدت نظرة "القذافي" اتجاه شرق ليبيا واعتبرت معركتها مع خصمها اللدود "خليفة حفتر" تدور حول الفوز بشكل ما بـ "عوقرة المواقع"، وفي هذا المجال بات تداعك وعراك عنيف عقب التفاهمات فيما يخص مثلت "برمودا النفطي" التي تمت بسلام كامل!

"مجلس الرئاسة" إذاً ورث خصومات "فجر ليبيا" كما ورث أساليبه لحل المسألة الليبية وفعليا بهذا وغيره أمسى قيادة جديدة لـ "فجر ليبيا"، هذه القيادة من تعمل على وراثة القذافي وتدخل من أجل هاتيك في معارك صغيرة عسكرية، ومعارك أخر عبر المؤامرات ضد الخصم اللدود "خليفة حفتر" الذي ترفض بالمرة قيادته للجيش الليبي، وإن كانت بين الحين والآخر تقبل به على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية.

أي أنه توكد في ليبيا قوتان أحداهما في الشرق "خليفة حفتر" والأُخرى في الغرب "قيادة فجر ليبيا الجديدة" وعليه ليس ثمة "مجلس رئاسة" كما جاء يسعى بمدونات "الصخيرات"، كأنما ثمة "إمارة برقة" و"إيالة طرابلس". تمترس الشعب المُنقسم على نفسه دون أن يعي خلف هذه، الحقيقة التي جاءت "خريطة طريق غسان سلامة" لتوكدها، "خارطة الطريق" التي كأنها صفارة انطلاق لحروب صغيرة هنا وهناك ولحرب مؤامرات كبرى.

3-
من جهات أُخر أخذ "مجلس الرئاسة" الفعلي صورة الممثل الرسمي المُعترف به أمام كاميرات التلفزيون وفي إضبارات الملتقيات الدولية ومن ثم الإقليمية، لكن على مستويات الفعل العضيد الدولي إيطاليا، والإقليمي الجزائر، ولهذا لم تنجح خارطة التمويه الأممية في تغطية المكشوف بل إن لقاء "السويحلي/عقيلة" في تونس كان فضائحيا، فالخارطة كانت كالطفل الذي أشار بيده صائحا: "الملك عارٍ"، عليه فإن الخدعة لم تعد تنطلي على أحد.

ضم المُستعجل "سلامة" سلامته وابتسامته وتصريحاته الطنانة وغادر عجولا، بعد أن توكد أن "خارطته" أخذت منحا تطبيقيا على أيدي "فجر ليبيا" المتجدد في ورشفانة وبنغازي والباقيات القادمات، وباتت الحدود الليبية بغتة محط خطر أكثر على الليبيين وجيرانهم، وأما على المستوى الدولي فقد ذهبت "كذبة الهجرة" ليحل محلها إعادة الروح لـ "كذبة داعش"، ومحليا نامت فتنة السيولة لتستيقظ فتنة الدولار وهلم، كل هذا من فضل ومنجزات ما خدعوك فقالوا: "مجلس الرئاسة" في فترته الوجيزة 17 ديسمبر 2015 /17ديسمبر 2017م، وقبيل التمديد القادم لا محالة قبل من قبل ورفض من رفض.

• هامش: في مقالة كتبتُها ونُشرت عقب "اتفاق الصخيرات" ذكرت وبالإسم عضوا بمجلس النواب قريبا من لجنة الحوار حينها، أفصح لي بمعلومة: أن "مجلس النواب" انتهت مهمته بالاتفاق، وهذا ما أثبته الزمن الغابر. وتفسيري لذلك أن "فجر ليبيا" الذي انتصر على الأرض بالاستحواذ على العاصمة جنى: مجلس الرئاسة وحور مجلس الدولة، لقد كسب المعركة وإن خسر الوطن فهو ليس من مستهدفاته. وبعد تنبثق المجموعة التي كانت خلف مشروع "مجلس الرئاسة" قبل وحتى الآن وتلتقي في القاهرة وغيرها تستعد لمرحلة قادمة: المؤتمر الوطني، تستعد للغيب كي تكرس مجلس الرئاسة/فجر ليبيا لأي احتمال قادم، كما تدعو لانتخابات عاجلة ففي كل حال خيضت انتخابات ثلاثة في ليبيا خسرت نتائجها لكن رغم ذلك كرس فجر ليبيا كـ "فائز".
وليس الخبر كالعيان، أليس كذلك؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات