موائد السلام

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

المولد، في مصر، يعني عيدا (شعبيا) دينيا لأحد أولياء الله الصالحين، قد يكون هذا الولي فقيهًا مسلمًا أو قديسًا مسيحيا. إن ما حُصر من موالد في مصر بلغ 2850 مولدًا؛ ويحضر هذه المناسبات أكثر من نصف سكان مصر العظيمة، يعني حوالي 42 مليون نسمة، وهو عدد سكان ليبيا ثمان مرات.

تقول المصادر إن المشاركين في هذه الموالد مسلمون ومسيحيون من دون التفريق بين الديانتين، وإن النذور التي تمنح للكنائس مثلاً، غالبًا ما تكون لحومًا لأن الموالد المسيحية تكون بعد انتهاء فترة الصيام المسيحي -أواخر شهر أغسطس- الذي يمنع أكل اللحوم لفترة تزيد على 55 يومًا. وتمنح هذه النذور للفقراء سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين.

موالد المسلمين تكون، في الغالب، خلال شهري رجب وشعبان قبيل شهر رمضان، وغالبًا ما تكون النذور ما تعوّد عليه المسلم من مواد تستهلك خلال شهر رمضان، وتمنح أيضًا للفقراء من الديانتين. لم أجد، فيما بحثتُ، عن أحداث شغب أو اعتداءات أو تحرشات دافعها ديني، بل طابع هذه المناسبات الأذكار الدينية، مسيحية كانت أم إسلامية.

ولكن العجيب أن جميع الليبيين مسلمون فقط، ويعرفون أنه إذا تقاتل مسلمان فالقاتل والمقتول في النار. ولا أظن أن بمجتمعنا الليبي مسيحيًا أو يهوديًا واحدًا سوى (جورجو)، الذي كان يسكن بمنطقة البركة في بنغازي، وترك البلاد منذ زمن عندما اكتشف أن أصدقاء طفولته الذين صاروا شبابًا والتحوا لن يرحموه إن وجدوه يدخن سيجارة في رمضان. أما كيف أن (جورجو) -وهو بالمناسبة زنجي اللون والتقاطيع- صار مسيحيًا، فبسبب أنه جاء مع والدته المسيحية من خارج ليبيا وترعرع في مجتمعنا الإسلامي وحافظت له أمه على ديانته، فصار مثل قطعة فحم ضاربة الودع، بين المسيحيين البيض جدًا، المقيمين ببنغازي، في قداس الأحد بالكاتدرائية الكاثوليكية، التي صارت فيما بعد الاتحاد الاشتراكي، ولا يدرى أحد عن المصير الذي سيؤول إليه هذا المكان بعد أن تصمت مدافع الأخوة الأعداء في ليبيا.

وبحسب علمي إن غالبية الليبيين سنيون على المذهب المالكي، ولدينا قلة مسلمة تعبد الله من خلال مذهبها الإباضي!. وجميعنا يعلم أن الليبيين يناصرون الشريعة، بالطبيعة، فهي أساس دستور مملكتهم السنوسية.

وصحيح أن بعض إخواننا المسلمين يرون أن الأضرحة والأولياء بدع لا ينبغي أن ننجر وراء خزعبلاتها؛ وهذا رأي متأصل في تفكيرنا الديني، ولا نحتاج إلى بلدوزر لتأكيده، صحيح أن هناك أضرحة، أو مساجد، تعرف باسمهم، ولكن ما الضرر في بقائها، فهي على الأقل استراحة مباركة لأبناء السبيل.

ولا أظن أن هناك مشكلة قد تواجهنا بسبب بضعة أضرحة، غالبًا ما تكون مشيدة فوق ربوة، يتخذها بعض البسطاء مكانًا مباركًا، لرحلة ربيعية!! ثم هل إزاحة مقبرة من الفتح الإسلامي سوف تغير الواقع الحالي للمسلمين؟

في (جوانجو)، التي تقع في جنوب غرب الصين مقبرة تعود إلى الفتح الإسلامي أقامها، سنة 622م، الصحابي سعد بن أبي وقاص، الذي يعتبره الصينيون مؤسس دولة الإسلام في الصين- بلغ تعداد المسلمين في الصين، قبل تناقصه، 60 مليون نسمة!!- ثم تولى إدارتها ابنه محمد بن سعد بن أبي وقاص، فأضاف إلى المسجد خلوة، نشر من خلالها الدين الإسلامي، حتى توفي ودفن بها، وما زال ضريحه قائمًا في وسط العاصمة، أمام تمثال (ماو تسي تونغ) مباشرة!. وقامت السعودية أخيرًا بتوسيع المقر وأضافت له مسجدًا، ورممت ما مساحته 1077 مترًا مربعًا! والغريب أن (ماو) بذاته أمر بهدم ومسح كل ماله علاقة بمعتقد ديني، ولكن، ولا أحد يدري، يقينًا، كيف أن أمره لم يطل هذه المقبرة؟

والأضرحة التي رأيتها، في تلك المقبرة، وترحمت على من وسد ثراها، المكتوب على شواهدها أسماؤهم بلغة القرآن قائمة وكأنها تخبر العالم أن المسلمين وصلوا حافة العالم الشرقية على ظهور الخيل والبغال، قبل ظهور (البلدوزر) بألف وخمسمئة عام. ورحلوا بعدما تركوا لنا مزارات مباركة بامتداد طريق الحرير، لم يفكر أحد من قبل بتدميرها. فلنتعظ ، وليكن لنا من أم الدنيا العامرة بسلام الإسلام عبرة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات