الكينج

منصور بوشناف |
منصور بوشناف

في سبعينيات القرن العشرين كانت بنغازي تتململ قلقا وخوفا على مشروع نهضة وتحديث بدأ يخبو وهجه وتتصدع أركانه منذرة بانهيار وشيك، كانت أصوات التحديث قد بدأت تغيب وتغادر المشهد، صمتا أو هجرة أو تغيبا في السجون، "يا سبحان الله لكأن المشهد يتكرر الآن إثر خيبة جديدة وثورة جديدة".

كانت المطابع قد أوقفت عن إصدار الجرائد والكتب وكان الكتاب والسياسيون والنقابيون قد غابوا، ولم يعد ثمة إلا أصداء أصواتهم القديمة تتردد في مقاهي ومسارح وقاعات الجامعة خافتة وبعيدة.

حين وصلت بنغازي، لم أجد إلا أطلال مشروع نهضة ينهار، لم أر خليفة الفاخري ولا الصادق النيهوم ولا محمد الشلطامي، لم أجد "الحقيقة"، كانت فقط الأطلال.

على الضفة الأخرى من بنغازي كان الليل، وكانت ورغم كل شيء تضيئه نجوم، كان صوت الناس أو الفن الشعبي والذي منحته بنغازي اسم "المرزكاوي" نسبة لمرزق إحدى مراكز التجارة والفنون لقرون، وكأنما كانت بنغازي تلملم روح البلاد المتناثرة وتضمها في أغنية واحدة.

حين وصلت بنغازي عام 1974 بالتحديد، كان المررزكاوي يتدفق عبر مجريين رئيسين هما مجرى المرزكاوي المحافظ على الأصول المتوارثة شعرا ولحنا ويقود ذلك المجرى "علي ويكه" أو "علي الجهاني" ومعه عدد من الفنانين والتلاميذ، أما المجرى الثاني فيقوده "الكينج" أو "احميدة درنة" بصوته العريض وتمرده على كل أصول الكلام والغناء المتوارث.

كان بعض البناغزة قد توجوه ملكا، وكان صوته قد انطلق يصدح عبر ليبيا كلها ووصل حتى أمريكا عبر الطلاب والمهاجرين الليبين إلى هناك. لقد كان حقا "كينج" الأذن الليبية الجديدة.

"الكينج" كان يجلس على عرشه ببشرته الداكنة السواد و"شنته السوداء" ونظارته السوداء التي لاينزعها ليلا ولا نهارا، وسط دكان الفحم الذي يعمل به، كان ملك ليل في كل التفاصيل وعبره كان المرزكاوي يكسر أطره المتوارثه، كان يخلط ويعجن ويبني ويهدم، كان صوت جيل جديد يتململ بحثا عن خلاص.

"الكينج" كان يعرف أنه يقود جيلا جديدا وأنه يواجه تيارا راسخا في إرث الشعر واللحن القديم، لذا كان لايسمح بحضور أي من تلاميذ "علي الجهاني" لحفلاته، وكان مناصروه لايترددون في إلقاء من يكتشفوا أنه من أولئك خارج الحفلة، كي يتدفق مجراه دونما عوائق.

كان المرزكاوي ورغم انقسامه الظاهر والذي لم يكن إلا تنوعا مثمرا وخلاقا، قد صار فن الشعب الحقيقي، كان صوت الخيبات والآلام والأحلام، ورغم انتشار التلفزيون وأجهزة التسجيل وأشرطة المغنين العرب الكبار قد سيطر تماما على الأذن والوجدان الليبيين، خاصة في بنغازي، وتقاسم التأثير والانتشار مع "بيري وايت والبوني إم، وكات ستيفن وفيروز وأم كلثوم وعبدالحليم"، كان آخر قلاع الهوية والكيان أمام مد المشرق والمغرب قبل الاجتياح.

لم يعد الكينج يجلس بشنته السوداء و نظارته السوداء وماعادت بشرته الداكنة السواد تلمع وسط دكان الفحم، لقد رحل "الكينج" ولكن أجيالا توارثت المملكة وسارت بها، لتسود الآن كل ليبيا، ويصبح المرزكاوي البنغازي، مرزكاوي الكينج والجهاني، فن ليبيا الشعبي الأول، الذي لايعرف الليبيون إقامة أفراحهم بدونه.

ورثة الفاخري والنيهوم والشلطامي و "الحقيقة " ربما فشلوا في أن ينجزوا ما أنجزه "الكينج" و "الجهاني" رغم كل التضحيات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات