ركن العامرية.. من كروسّة إجعوين للمرسيدس

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

كانت سؤالاتي لجدتي كثيرة و ربما مضجرة لها أحيانًا. "كان في سيارات زمان في درنة؟". سألتها ذات يوم فأجابتني بفخر مُلاحظ "ايييه.. جدك الله يرحمه كانت عنده الحمراء، فرس ما أجملها و بعد ما جن السيارات شرى مرشيدس وحي لما كنت نركب حذاه يوصلني لنورية". وأواصل أنا إلقاء السؤال تلو الآخر وإن كنتُ أعرف الرد مسبقًا "وكيف كنتِ تمشي لنورية قبل المرسيدس!. كنتِ تركبي على الحمراء وراء جدي ولّا بروحك". ترمقني بصبرها الجميل الذي لا ينفد وتجيب "طبعًا لا. كان يكلملي (إجعوين) نركب في الكرّوسة وكان يسألني: مترّيحة يا خالتي؟. متريحة يا إجعوين الله يربحك.. غير وصلني لخالتك نورية"!

كان هذا ما دار بيني و بين نفسي فأدخل سعادة موجعة لقلبي وذلك أثناء تجولي في أروقة متحف المرسيدس في مدينة شتتقارد الألمانية. رجعت بي جولتي إلى أواخر القرن التاسع عشر حين كان ديميلير عاكفًا على الإبداع فتمكن من بناء محرك سماه ساعة الجد والذي ثبته على الدراجة فكانت أول دراجة نارية في التاريخ. أراد تجربتها فسمح لابنه الذي لم يبلغ حينها الرابعة عشر من العمر قيادتها وسرعان ما سخن المحرك وارتفعت معه ومنه حرارة كرسي الدراجة مما اضطر الإبن للتوقف سريعًا!

ثم ثبّت المحرك بعد تعديله على "كروسة" أو عربة الحصان فكانت أول سيارة. في ذات الوقت وعلى بعد ستين كيلو مترا لم يكن مشوار كارل بينز سهلًا فقد جاءت كلماته معبّرة عن معاناته حين قال "لم يُؤْمِن بأفكاري أحد سوى زوجتي التي رفضت أن تأخذ مهرًا مني وذلك لتوفير المال لتحقيق أحلامي".. وسدد بينز ديونه ثم عكف على بناء سيارته وذات يوم من أيام صيف عام 1888م شعرت زوجته بيرثا بالاشتياق لأهلها القاطنين بعيدًا عنها مسافة ستين كيلو مترا، فما كان منها إلا قيادة السيارة بصحبة أبنائها ودون علم زوجها. كانت الرحلة شيّقة وشاقّة في آن فقد كان الوقت الذي مرّ في دفع السيارة بالأيدي حينًا وبحثًا عن الوقود (الجاسوليين) أحيانًا أخرى أطول من ذلك الذي أمضوه جلوسًا في السيارة ولكن تمكنوا بالصبر والعلم من الوصول لخط النهاية وبذا كانت بيرثا المرأة، أول إنسان في التاريخ قاد السيارة لمسافة طويلة، حينها وعلى الأغلب لم يكن إجعوين وأصحابه قد وُلدوا بعد!

وفي عام 1886 تقدم بينز بطلب براءة اختراع السيارة ذات المحرك دون علم أو تنسيق مسبق مع ديميلير الذي وفي ذات العام تقدم بمساعدة ميباخ بنفس الطلب. والعهدة على متحف المرسيدس في مدينة شتتقارد فإن أول ملك في العالم أقدم على شراء العربة ذات المحرك كان مولاي حسن الأول ملك المغرب الذي ابتاعها من ديميلير عام 1892.

أما مصنع المرسيدس الْيَوْم المجاور للمتحف فقد شاهدتُ فيه قوة العلم والعمل والنظام وتلمّستُ ثقافة الابتكار والفن وتذوّقتُ الإصرار والإخلاص وأبصرتُ ثقافة الحياة والوجود في مقابل العدم والموت الذي ألفناه وعرفتُ تمامًا معنى أن تكون مستهلكًا فقط وأبدًا. فيه -المصنع- أكثر من ثلاثين ألف موظف منهم العشرات من رجال الأطفاء وأحد عشر ألف مهندس ومستشفى مجهز بستة عشر طبيبًا وحضانة للأطفال وخمسة مطاعم إلى جانب جمعية للموسيقى... نعم الموسيقىى لأنها غذاء الروح وروح العقل.. فهناك فرقة موسيقية من موهوبي هذا المصنع.

بينز... ديميلير... ميباخ... أسماء خالدة عنوانها العمل والصبر والإبداع... أسماء خلّدها التاريخ وحفظتها الإنسانية في ذاكرتها للأبد.. أما بيرثا وأخواتها فلهن الله وإن خلّد المتحف ذكرى بيرثا.

وكل يوم في بلادنا يموت إجعوين قبل أن نقدِّم له أي شيء… في الحقيقة قد قدمنا له و"لكرّوسته"، فقد خُلّد في ذاكرة سكان مدينة درنة الطيبين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات