"داعش": من الذئاب المجتمعة إلى الذئاب المنفردة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

إذا ما واصلت الأمور مسارها الحالي، وعلى نفس الوتيرة، فإن مشروع "دولة الخلافة" الذي بدأت في بنائه داعش في العراق وسوريا وأعلنت عن قيامه فعليا في 10 يونيو 2014، وامتد على مساحة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا، سائر نحو الإخفاق.

وبحرمان هذا التنظيم من الأراضي التي يحكمها ويديرها حاليا، فمن المرجح ألا يعيد الكرة على نفس المنوال، أي السيطرة على أراض أخرى حتى في المناطق الهشة، مثل ليبيا ونيجيريا واليمن.

لكن هناك تخوفات جدية، على صعيد العالم بأسره، من أن منع هذا التنظيم من إقامة دولته على الأرض سيجعله يلجأ إلى العمل تحت الأرض، والقيام بعمليات إرهابية متفرقة ومتنوعة في أماكن مختلفة من كوكبنا.

ذلك أن هذا التنظيم حقق انتشارا عبر العالم لم يسبق أن حازه أي تنظيم مماثل. ويكفي أن نعرف في هذا السياق أن مقاتليه ينتمون إلى 86 دولة، على الأقل، وأن له فروعا في آسيا وأفريقيا وأوروبا، بعضها كان تنظيمات مستقلة ثم أعلنت ولاءها له وانضمت إليه، وبعضها أجنحة في تنظيمات أخرى انشقت عن تنظيماتها الأصلية والتحقت به، كما أن هناك أفرادا لا يرتبطون به تنظيميا لكنهم مقتنعون بأفكاره ومناصرون له وعلى استعداد للقيام بعمليات إرهابية انتقاما له، وهم من يطلق عليهم مصطلح "الذئاب المنفردة" الذين يقومون بأعمال مثل الدهس والطعن بالسكاكين وإطلاق النار، على غرار ما حدث في عدة مدن أوربية، وهذا النوع من الإرهاب يسمى "الإرهاب دون قيادة".

يضاف إلى ذلك الجيل الداعشي الجديد من الفتيان والشبان الذين أهلهم التنظيم ذهنيا وجسديا في الأماكن التي كانت تحت قبضته لحوالي ثلاث سنوات وأطلق عليهم "جنود الخلافة"، وسيحافظ هذا الجيل على الأفكار والأهداف الداعشية المتطرفة التي تشربتها روحه لفترة طويلة من الزمن.

تلك الأفكار التي لا توجد بها "أي مساحة للمرونة، مما جعله [التنظيم] يتربع على عرش التطرف الفكري، حتى أصبح أقرب للفكر التكفيري البحت منه إلى فكر الجهاد التقليدي، لدرجة أنه أصبح منتقدا من أكابر منظري التطرف والإرهاب".

لقد تمكن هذا التنظيم من نشر أفكاره عبر العالم وغرسها في نفوس عشرات الناس، بالذات الشباب، من خلال آلة إعلامية متعددة الرؤوس وجبارة وتتميز بحرفية عالية تفوق ما وصلت إليه التنظيمات الأخرى، من خلال توظيف شبكة الإنترنت في التجنيد والدعاية والتعبئة وإنتاج أفلام ومقاطع فيديو ذات حرفية متمكنة بالعربية والإنجليزية والفرنسية ومجلات متقدمة آخرها مجلة "رومية" التي أطلقها مطلع 2017، ناطقة بسبع لغات هي: الإنغليزية والفرنسية والألمانية والروسية والتركية والباشتو والأويغور. وقد لفت تميزه الإعلامي هذا المتخصصين في هذا المجال.

لذا فإن خطر تنظيم داعش الإرهابي من المرجح أن يظل نشطا وفعالا، لمدة طويلة، حتى بعد زوال دولته.
* علي بكر، خصوصية التنظيم ومعوقات القضاء على "داعش"، في: السياسة الدولية، أكتوبر 2017.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات