القوى الناعمة الليبية

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
حين كانت محطات التلفزيون في العالم تتناقل في نشراتها وفي أخبارها الأولى الحرب الأهلية الليبية والعمليات الإرهابية التي تجتاح مدينة بنغازي، حينها تتناقل الأخبار الثقافية فوز الروائي الليبي هشام مطر بهذه الجائزة العالمية أو تلك، فكانت ظاهرة حصوله على الجائزة تلو الجائزة من لم يصدر غير ثلاث روايات باللغة الإنجليزية لافته للنظر، هذه الروايات التي هي سرديات ليبية للحال الذي عاشته البلاد قبل الحرب من اختفاء قسري وأثناء الثورة، ما طرقه هشام مطر طرق مسلوكة وحال معتاد عاشته بلاد عدة وبشر كثر لكن طرق مطر جعل سردياته الليبية كما لو لم تطرق ولم تعتد السرديات.

بهكذا طرق كانت القوي الناعمة الليبية تصدح، في الآن الذي فيه محطات التلفزيون في العالم تتناقل في نشراتها وفي أخبارها الأولى الحرب الأهلية الليبية، والعمليات الإرهابية التي تجتاح مدينة بنغازي. حينها روايات لإبراهيم الكوني تترجم للغات العالم وروايات أحمد إبراهيم الفقيه تصدر وكذا كتب نجيب الحصادي في الفكر والفلسفة وترجماته، وخالد مطاوع يحصد الجوائز كشاعر أمريكي ليبي مبرز، وفي أسبانيا يكرم محمد الفقيه صالح الشاعر، ونجوى بن شتوان تدخل روايتها "زرائب العبيد" القائمة القصيرة لجائزة بوكر للرواية لدورة عام 2017 التي كانت فاطمة الحاجي عضوة في لجنة تحكيمها. ولست هنا أعدد وأحصي ولكن أبين فاعلية القوى الناعمة الليبية لتي من النار صهرت روحها وأينعت وبرزت كحقائق دامغة.

2-
الإرهاب يضرب أطنابه وحرب الشوارع المقاومة للإرهاب في أتونها بمدينة بنغازي، وحينها دار "تاناروت" تعرض فلما أسبوعيا وتقيم ندوة حوله إلى جانب دوراتها المتعددة في الفنون، وحينها يتم كرنفال الكتاب وتبرز فتاة عشرينية اسمها أمل بنود وفريق من زميلاتها كروح وثابة لبعث الكتاب في المدينة التي تعيش ويلات الحرب، وأما دار الفقيه حسن في العاصمة طرابلس فإنها تجعل للثقافة والفنون دارا كل أسبوع، وفي هذه المحنة تصدر ليبيات العديد من الروايات إصدارا شخصيا وفي عواصم عربية وكذا دواوين شعر وكتب في مجالات أخر.

القوى الناعمة الليبية في الداخل تحتفي بالثقافة والفنون وتكرم العديد من الشخصيات الثقافية والفنية، والدوري الرياضي الليبي لا يكاد يتوقف بل إن الفرق الليبية في هذه المسغبة تحقق تفوقا لم تحققه قبل، وإن أصاب الإرهاب الصحافة في مقتل فتوقفت في الداخل فإن المحطات التلفزيونية الليبية التي ظهرت خارج البلاد ومواقع الانترنت يديرها شباب ليبي بروح تجعلها كما كانت تبث من الداخل.

بهذا فإن القوى الناعمة الليبية دافعت عن روح البلاد وعن تراثها ولم تنكسر بل ازدادت عنفوانا وثباتا، وأما القيم التي دافعت عنها وعملت من أجلها فهي قيم الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني ما نادت بها ثورة فبراير ساعة قيامتها، ولأجل هذا قدمت الشهداء والجرحى والمختطفين والمنفيين.

3-
القوى الناعمة الليبية: "شمس على نوافذ مغلقة"، ولذلك عرف رموزها النفي والسجون في العهود التي مرت بها البلاد منذ العهد العثماني والإيطالي الفاشيستي وحتى الساعة، ونهضت بالمجتمع الأهلي وأنهضته في حقبها الحديثة، وفي أغلب أحوالها كانت كنتاج مجتمعي وكنتاج لأفرادها أكثر مما هي دعم من الدولة لعل هذا ما جعلها قوى حرة وفاعلة رغم الغشم والعسف والإقصاء.

وفي هذه الفترة الصعبة والقاسية تواجه القوى الناعمة الليبية وسائل قديمة جديدة لإقصائها، ولضرب تجددها المتمثل في شبابها من نساء ورجال يبدعون حداثتهم وينتجون إبداعهم رغم كل الظروف بل وغصبا عنها، إنها القوى الناعمة الليبية القوى التي تقوى بما تواجه من صعاب وما تنتج في مواجهتها.

إن الحرب التي أعلنت على كتاب "شمس على نوافذ مغلقة" مثلا ليست أول ما واجهت القوى الناعمة الليبية ولا آخرها، وبهذا تطلع شبه الدولة على حقيقتها لتقمع القوى الناعمة الليبية، هذا يحدث في نفس الوقت الذي تنهض فيه روح السلم في البلاد وإمكانية أن تنهض من كبوتها.

إن القوى الناعمة الليبية ساهمت وتساهم من أجل السلم الاجتماعي وحقوق الإنسان، وعملت بطرقها الفنية والإبداعية والاجتماعية من أجل وحدة البلاد وحريتها. وإن ما يرصده المتابع من إنتاج فني وإبداعي وما يتم من حراك اجتماعي ورياضي وما شابه، يدلل على أن القوى الناعمة الليبية ستكون في المقدمة في مرحلة ما بعد الحرب ولن تتخاذل.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عبدالسلام الجلالي

    20.09.2017 الساعة 11:32

    أثار انتباهي كلام الكاتب أنه يساند قيم الحرية والديمقراطية في الوقت الذي يدعم الكاتب وجريدته الصفراء حكم العسكر الاستبدادي في مصر وليبيا