شرق ليبيا: غرب مصر

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

العولمة سوف تحل مشاكل هذا العالم المجنون بما في ذلك العناد الليبي.. الليبي. العولمة مكنت "مباحث واشنطن" من قراءة أرقام سياراتهم وتلفوناتهم السرية، وأرقام حساباتهم المصرفية، وصفقاتهم المشبوهة وآخرها الخمسة ملايين التي دفعت لمهرب بشر.

العولمة ألغت أسلوب الكتابة الرمزية، وإن كان الصحيح هو أن الخلاص من الكتابة الرمزية كان الخطوة الأولى في مسيرة العولمة. لا أذكر أنني قرأت نصا غربيا ساخرا رمزيا، من بعد "رحلات جلفر" التي كتبها الإيرلندي "جونثان سويفت" المتوفي عام 1745. الآن لم يعد بمقدور أي ديكتاتور، مهما بلغ جبروته أن يرغم أحدا على أن يلف ويدور ويرمز ويهمز، لأن هذا (الأحد) يستطيع أن ينتقده، وبحدة من تحت مظلة حقوق الإنسان، وهو يحتسى قهوته الصباحية من المقهى المواجه لسفارة هذا الحاكم، فمازال احتساؤها أمام إدارة مباحث بلاده صعبا إلى حد ما.

لم يكن الرمز قد اختفى في الغرب تماما عندما وصل نابليون بونابرت إلى مصر سنة 1798 فلقد وجه خطابا إلى الإسرائيليين، التي تعني في اللغة اليهودية "عبيد الله" فهو لم يقل في هذه الوثيقته أيها اليهود وإنما قال: "أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه وجوده القومي، وإن كانت سلبته أرض أجداده فقط"، وتستمر الوثيقة تحثهم على المجيء إلى فلسطين واستعادة أرضهم بالقوة. هذه الوثيقة تناولها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه: (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل)؛ غير أن الدكتور مصطفى عبد الغني في كتابه (عمالقة وعواطف) شكك في حقيقتها.

لم أهتم كثيرا بصدق هذه الوثيقة من عدمه، ولكنني أعرف أن هناك إرهاصات مبكرة لتمكين قيام دولة إسرائيل على حدود مصر الشرقية، فتسبب ذلك بالتأكيد في إيذائها اقتصاديا ومعنويا منذ سنة 1948م وأصبحت الدولة التي كانت تقرض بريطانيا تواجه ضغطا اقتصاديا رهيبا، تزامن مع انفجار سكاني كبير زحف على أراضيها الزراعية ووصل بهم على مشارف الصحراء. سنة 1971 رفض سائق تاكسي أن يدخل بنا - العبد لله والأستاذ أحمد بن صويد- شارع جامعة الدول العربية عند الآذان لصلاة العشاء، أرغمنا على مغادرة التاكسي عند منعطف مسرح البالون، قائلا: "لا يا عم أنا ما أخشش في الليل في الترع والمزارع دي". لم تكن هناك لا عمارات ولا شوارع، مجرد (فلل) بسيطة مبعثرة هنا وهناك وسط مزارع عامرة بأشجار الفواكه: منجه، وبرقوق وبرتقال.. خيرات. لم يكن هناك لا بولاق الدكرور ولا أرض اللواء ولا فيصل. مزارع وبساط أخضر بامتداد البصروغذاء برخص التراب للناس. انفجر التعداد السكاني فوصلت الخرسانات المسلحة إلى ما من بعد الطريق الصحراوي، الذي كنا نتجنب السفر عبره إلى الإسكندرية في الليل. قامت مدينة 6 أكتوبر والشيخ زايد ولم تعد مياه وادي النيل تروى سوى حدائق تلك التجمعات السكانية.

يوم 4 سبتمبر 2017 كتب الأستاذ فاروق جويدة مقالة عنوانها "داعش صناعة إسرائيلية " أخبرنا فيها عن عميل الموساد "بنيامين افرايم" الذي تسلل إلى بنغازي مع دواعش وقاد منهم 200 عنصر وأصبح إماما لمسجد وتسمى (أبو حفص) وذكر أيضا أن عملاء الموساد في ليبيا يقدرون بحوالي 2000 عميل، العديد منهم تسموا بعبيد الله ولا أعلم هل الذين قرروا عدم الإيفاد للدراسات العليا إلى مصر منهم أم لا؟. لأن الدواعش فقط هم من لا يعلمون أن أول من وصل ليبيا من المدرسين لتعليمنا كانوا من مصر.

هناك بالتأكيد، مخطط لخلق مشكلة أخرى لمصر على حدودها الغربية، وهي تعي ذلك جيدا، ولذلك من الغباء أن نستغرب العلاقة الوثيقة ما بين الجيش الوطني في الشرق الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وبين دولة مصر قلب العالم العربي. الشرق الليبي، تعرض أكثر من غيره لإرهاب ودمار، ولولا دولة مصر الشقيقة لما توقف الحال، ولوصل سعر حزمة البصل نصف ما تتكرم به المصارف المحكومة من مصرف ليبيا المركزي الذي لا نعلم لمن هو مأسور؟. فهل هناك من مازال يتساءل: لماذا مصر فقط ، من دول الجوار، هي التي حضرت اجتماع لندن؟. لا أعتقد ذلك سوى أولئك الذين لم يسمعوا من قبل أنه لا حرب ولا سلام في الشرق الأوسط من دون مصر.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات